الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«دبي للسلع المتعددة».. تطور بمنظور استراتيجي

18 يونيو 2026 22:35 مساء | آخر تحديث: 18 يونيو 22:36 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
بلغت نماذج العقارات العالمية والمناطق الاقتصادية الحرة منعطفاً تطورياً فارقاً، فلعقود مضت، اعتمدت مراكز الأعمال التقليدية في قياس نجاحها على مؤشرات بسيطة، مثل حجم المساحات المؤجرة، وعدد التراخيص الصادرة، والنطاق الجغرافي الذي تشغله، غير أن المشهد الاقتصادي الكلي اليوم، والذي تحكمه وتيرة التحول الرقمي المتسارع وتحولات الممرات الجيوسياسية، بات يكشف بجلاء أن البنية التحتية المادية وحدها لم تعد كافية، فالريادة التجارية على المدى البعيد، أضحت حكراً على من يمتلك القدرة على هندسة بيئات متكاملة ومتعددة الأبعاد، لا تكتفي فيها الشركات باتخاذ مقار لها، بل تنطلق منها نحو النمو والتوسع.
ويشكّل بناء المنظومات الاقتصادية الناجحة جزءاً أصيلاً من هوية مركز دبي للسلع المتعددة، فعلى مدى العقدين الماضيين، تطور المركز من مُشغّل لحيّ تجاري محلي إلى أحد أبرز المراكز العالمية للتجارة، مُكوناً خلال هذه المسيرة خبرات عملية استثنائية، وبيانات معرفية متخصصة، وشبكة علاقات واسعة عبر مختلف القطاعات. واليوم، وفي عالم أصبحت فيه المرونة والقدرة على التكيف العملة الأهم لاستدامة الشركات، يترجم مركز دبي للسلع المتعددة هذه الخبرات إلى واقع ملموس، من خلال إطلاق منصتين متخصصتين هما «حرم مركز دبي للسلع المتعددة» ومنصة «الذكاء الاستراتيجي». وتمثل هذه المبادرة خطوة تتجاوز النموذج التقليدي القائم على إصدار التراخيص؛ إذ ستقدم المنصتان خدمات استشارية استراتيجية مصممة وفق احتياجات كل جهة، وبرامج تطوير مهني بمعايير عالمية، تستهدف الشركات متعددة الجنسيات، والجهات الحكومية داخل الدولة وخارجها، ومؤسسات القطاع العام على نطاق أوسع.
من منظور استراتيجي، يستند النموذج الاستشاري لمركز دبي للسلع المتعددة إلى خبرة عملية، تمتد على مدى عقدين من الإنجازات الحقيقية، ما يمنحه طابعاً متميزاً وفريداً. وبصفتها الذراع الاستشارية المتخصصة للمركز، لا تسعى منصة الذكاء الاستراتيجي إلى أن تكون بديلاً مباشراً لشركات الاستشارات الإدارية التقليدية، بل ستقدم حلولاً عملية مجربة تجمع بين الخبرة الميدانية في بناء المنظومات الاقتصادية، والبحوث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والبيانات السوقية الحصرية، إلى جانب الرؤى التجارية المتخصصة، وسيرتكز عمل منصة الذكاء الاستراتيجي على صياغة استراتيجيات التجارة، ودعم التنويع الاقتصادي، وتطوير نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بهدف بناء بيئات اقتصادية مرنة تتيح لمختلف القطاعات والأنشطة الازدهار والنمو.
وعلى نطاق أوسع، تمثل منصة الذكاء الاستراتيجي امتداداً طبيعياً وتقنيناً رسمياً للدور الاستشاري، الذي يؤديه مركز دبي للسلع المتعددة على الساحة الدولية منذ سنوات، فقد دأب المركز على تقديم المشورة والدعم لجهات حكومية في العديد من الدول حول كيفية بناء ممرات تجارية قوية ومستدامة، ومن خلال مذكرات تفاهم استراتيجية أبرمها مع مؤسسات حكومية دولية، بدءاً من وزارات الاقتصاد في عدد من الدول التجارية، وصولاً إلى الهيئات السيادية المعنية بقطاعي التعدين والزراعة، نجح المركز في نقل نموذجه القائم على السلع الأساسية كأداة لتحقيق النمو الاقتصادي.
وشملت هذه الجهود تقديم المشورة والإرشاد لوفود حكومية أجنبية بشأن الآليات المعقدة لإنشاء سجلات وطنية مدعومة من الدولة للمعادن الثمينة، وتطوير بنية تحتية آمنة لتداول الماس، وإنشاء أسواق رقمية تتسم بالشفافية. ومن خلال إضفاء الطابع المؤسسي على هذه الخدمات، ضمن ذراع متخصصة للاستشارات والخدمات المعرفية، تتمتع منصة الذكاء الاستراتيجي بمقومات فريدة تؤهلها لتوسيع نطاق هذه الشراكات الدولية بسلاسة أكبر، وتعزيز مكانة دبي كمركز عالمي للتجارة والابتكار المؤسسي.
وتتجلى أهمية هذه المرونة الهيكلية والرؤية الاستشرافية بوضوح في شراكتنا مع شركة IBM، والتي بدأ تعاوننا معها بانضمام «آي بي إم للاستشارات» (IBM Consulting) شريكاً رسمياً إلى مركز الذكاء الاصطناعي التابع للمركز، ما أسهم في توسيع نطاق دعم المركز لمجتمع متنامٍ، يضم أكثر من 180 شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات، من خلال مبادرات القيادة الفكرية، والإرشاد المهني، والندوات التعليمية، ومسابقات الابتكار السريع (الهاكاثون).
وسرعان ما تطورت هذه الشراكة إلى آفاق أوسع، فإدراكاً للمسار المتسارع لتطور قدرات الحوسبة، جاءت التوصية من IBM نفسها بإطلاق مبادرة متخصصة في مجال الحوسبة الكمية، وهي المبادرة التي أرست لاحقاً الأساس لإنشاء مركز الحوسبة الكمية التابع لمركز دبي للسلع المتعددة. وتمثل مسيرة شركة IBM، في حد ذاتها، من شركة تقليدية لتصنيع الأجهزة إلى شركة عالمية في البرمجيات والحوسبة السحابية وحلول الأعمال الإدراكية، نموذجاً بارزاً للقدرة على إعادة الابتكار والتجدد.
وتُعد هذه القدرة على تخطي الواقع القريب، واستشراف الموجات الاقتصادية المقبلة، والمشاركة في تصميم أطر عمل قادرة على مواكبة المستقبل، هي تحديداً القيمة التي ستسعى منصة الذكاء الاستراتيجي إلى تمكين عملائها من الشركات والجهات الحكومية من تحقيقها.
وتتطلب تنمية أي منظومة اقتصادية مستدامة مواصلة صقل رأس المال البشري وتطويره. ومن هذا المنطلق، يأتي حرم مركز دبي للسلع المتعددة، الذي يجمع تحت مظلته جميع المبادرات التعليمية والمعرفية التابعة للمركز، ومن خلال إنشاء مركز متكامل للتعلّم، وتنمية القدرات، والتعليم والتطوير المهني، سيعمل حرم مركز دبي للسلع المتعددة على توحيد الجهود المعرفية القائمة والبناء على النجاحات، التي حققتها «سلسلة المعرفة» وبرامجها المتخصصة، بما في ذلك الدورات المتقدمة، والندوات الإلكترونية، وورش العمل الفنية، مثل أكاديمية دبي للتصميم.
ويرسخ المركز، منذ سنوات، نموذجاً يقوم على التعليم والتطوير بوصفه ركناً أساسياً في مختلف منظوماته. فعلى سبيل المثال، يضم مركز القهوة التابع لمركز دبي للسلع المتعددة حرماً تدريبياً معتمداً من جمعية القهوة المتخصصة (SCA)، يقدم برامج مهنية متخصصة في مهارات إعداد القهوة (الباريستا)، وطرق التحضير، والتصنيف، والتذوق، والتحليل الحسي، والتحميص، إلى جانب شهادة مُقيّم جودة القهوة «CQI Q Grader»، كما يضم ثلاث غرف مخصصة لتذوق القهوة، تم إنشاؤها وفق معايير جمعية القهوة المتخصصة ومعهد جودة القهوة.
ويدعم مركز الشاي التابع لمركز دبي للسلع المتعددة التعلّم التطبيقي في القطاع، من خلال برامج التذوق، ومزج المنتجات، وتطويرها، وتبادل المعرفة.
وامتدت هذه الفلسفة، منذ سنوات، إلى الأسواق المالية عبر بورصة دبي للذهب والسلع DGCX، أول بورصة للمشتقات المالية في الشرق الأوسط وإحدى الجهات التابعة للمركز، والتي واصلت منذ انطلاقها تأهيل المتداولين والوسطاء والمجتمعات التجارية، ويتجلى ذلك بصورة خاصة من خلال مبادرة «الحرم التدريبي للتداول»، التي جمعت بين ورش العمل التطبيقية، والتدريب عبر المحاكاة، وإتاحة الوصول إلى الأسواق الحية.
* الرئيس التنفيذي الأول والمدير التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة