مع بدء العد التنازلي لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، تشير المؤشرات الأولية إلى مواجهة محتدمة قد تفجر مفاجآت استثنائية، ففي ظل الانقسام الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين، تكتسب هذه الجولة أهمية كبرى، إذ سترسم ملامح السنتين المتبقيتين من الولاية الرئاسية الحالية، وتمهد الطريق للاقتراع الرئاسي المقبل.
ما يدور من تلاسن وهجمات إعلامية بين قادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي يستأنف مسار تصفية الحسابات السابقة ويمهد المسرح السياسي لحرب ثأرية، ويدخل الرئيس دونالد ترامب هذه المعركة الانتخابية متسلحاً بكل ما يملك من أدوات ووسائط ومعجم لغوي خاص بخطاباته المستفزة في كثير من الأحيان.
وفيما جرى العرف أن تمنح انتخابات التجديد النصفي الحزب المعارض فرصة السيطرة الجزئية أو الكلية على الكونغرس بمجلسيه، إلا أن ترامب رفع سقف أمنياته إلى تسديد ضربة سياسية قاضية إلى خصومه الديمقراطيين، وإعادة إحكام قبضته على المشهد التشريعي. ووفق ما تصوره له طموحاته المثالية، فهو لا يبحث عن مجرد أغلبية عادية، بل عن تفويض شعبي كامل يُمكّنه وفريقه من تفكيك سياسات إدارة جو بايدن السابقة، وتأمين نفوذ مطلق لتنفيذ أجنداته المثيرة للجدل.
خلف كواليس السباق يكمن مأزق أمريكي بوجهين يختزل حقائق عدة، منها انقسام البيت الجمهوري، إذ لا تحظى توجهات الإدارة الحالية بإجماع حزبي، بل تحركها تكتلات شعبوية ومجموعات مصالح تصر على التصعيد. وقد فجّر هذا النهج الراديكالي صراعاً داخلياً مريراً، يقاتل فيه المحافظون التقليديون في معركة وجودية لحماية مبادئ الحزب الكلاسيكية من الابتلاع الكامل على يد الجناح المتشدد. وهناك حقيقة ثانية، هي أن الديمقراطيين ليسوا على صراط واحد، بل يعيشون حالة من التجاذب الداخلي الحاد بين جناح تقدمي راديكالي (يساري) يسعى لتغييرات جذرية ويضغط بقوة لتبني سياسات طموحة مثل الرعاية الصحية الشاملة ومراجعة السياسات الخارجية تجاه الأزمات العالمية وكبح نزعة التدخلات العسكرية التي لم تعد مجدية فضلاً عن كلفتها، وهناك تيار ديمقراطي معتدل (وسطي) يطالب بالتركيز على إصلاحات اقتصادية واقعية وضبط الإنفاق والحفاظ على الحلفاء التقليديين لواشنطن وتجنب إثارة حروب عبثية.
أما الحقيقة الثالثة، فإن الولايات المتحدة، في ظل التحولات الدولية، لم تعد كما كانت ولم تعد تنفرد بالكلمة الأولى في النظام الدولي وأصبحت مضطرة، طوعاً أو كرهاً، لتقاسم النفوذ مع قوى صاعدة تفرض واقعاً متعدد الأقطاب، ما يحد من قدرة واشنطن على توجيه الأزمات العالمية بمفردها أو الخروج منها كما تريد.
إزاء هذه الحقائق، لم تعد معركة التجديد النصفي مجرد منافسة تقليدية على المقاعد التشريعية، بل غدت استفتاءً مصيرياً على تموضع الولايات المتحدة الداخلي والدولي، فالانقسامات البنيوية التي تعصف بالحزبين، وانحسار الهيمنة الأمريكية عالمياً، يضعان الناخب أمام مفترق طرق، إما الانكفاء نحو الداخل ومواصلة تفتيت الهوية السياسية للبلاد، أو صياغة توافقات صعبة تعيد التوازن للمؤسسات التشريعية، وهو ما يجعل من هذه الجولة الانتخابية المنعطف الأكثر حرجاً في تحديد ملامح «أمريكا الجديدة» وليس «أمريكا أولاً» كما أراد ترامب أن يفرضها، بعدما تبين أن ذلك الشعار الذي تم رفعه عنواناً للانكفاء والتشدد، بات يصطدم اليوم بواقع داخلي متشظٍ ونظام دولي لم يعد يذعن للإملاءات، ولذلك فإن هذه الانتخابات التي بدأت معركتها مبكراً ستكون فرصة لإعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية واختيار نخبة سياسية، ربما تكون أكثر إدراكاً لخطورة الاستقطاب الداخلي وعمق التحولات العاصفة بالعالم.
