لطالما عد اضطراب طيف التوحد حالة عصبية معقدة، تتسم بتنوع كبير في الأعراض والخصائص بين الأفراد، ما جعل فهم أسبابه البيولوجية تحدياً مستمراً للباحثين. ومع التقدم المتسارع في تقنيات تصوير الدماغ والتحليل الجيني، بدأت الدراسات الحديثة تكشف عن صورة أكثر دقة لهذا الاضطراب.
فقد توصلت دراسة دولية حديثة من المعهد الإيطالي للتكنولوجيا، إلى نتائج ستحدث تحولاً في فهم التوحد، حيث تشير إلى وجود أنماط بيولوجية مختلفة داخل الطيف نفسه، يمكن تمييزها من خلال طريقة اتصال مناطق الدماغ ببعضها ، ما يفتح الباب أمام تطوير أساليب تشخيص ورعاية أكثر تخصيصاً في المستقبل.
وجاءت هذه النتائج بعد تحليل دقيق لأنماط الاتصال العصبي باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، ورصد الباحثون نمطين متكررين بوضوح، يتمثل الأول في «فرط الاتصال»، إذ تكون الروابط بين مناطق الدماغ أقوى من المعتاد، بينما يظهر النمط الثاني في «نقص الاتصال»، حيث تكون هذه الروابط أضعف وأكثر تراجعاً مقارنة بالأشخاص الطبيعيين عصبياً.
اعتمد الباحثون على الجمع بين البيانات البشرية والنماذج الحيوانية، لفهم الأسس البيولوجية الكامنة خلف هذه الظواهر، وأظهرت النتائج أن نمط «نقص الاتصال»، يرتبط غالباً بالمسارات المشبكية المسؤولة عن التواصل بين الخلايا العصبية، بينما يرتبط نمط «فرط الاتصال» بأنظمة بيولوجية مرتبطة بالمناعة.
وللتحقق من هذه العلاقات حلل الباحثون بيانات دماغية لـ 940 طفلاً وشاباً من المصابين بالتوحد، ومقارنتها بـ 1000 شخص من غير المصابين. كما استعانوا ببيانات مبادرة تبادل بيانات تصوير الدماغ للتوحد، إضافة إلى تحليلات جينية وكيميائية حيوية، ما عزز قوة النتائج وسمح بتكرارها عبر قواعد بيانات مستقلة متعددة.
وتشير الدراسة إلى أن هذين النمطين يشكلان نحو 25% من حالات التوحد التي خضعت للفحص، مع وجود فروق طفيفة في شدة الأعراض، حيث بدت مجموعة «فرط الاتصال» أكثر تأثراً في بعض المقاييس السلوكية.