عندما كثفت إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) جهودها، لم يلمس العمال المولودون في الولايات المتحدة أي تحسن اقتصادي.
لقد خاض الرئيس دونالد ترامب حملته الانتخابية متعهداً بتعزيز سوق العمل، وكان برنامجه الخاص بالهجرة - والذي تضمن تعهداً بتنفيذ أكبر حملة ترحيل في تاريخ الولايات المتحدة - محورا أساسيا لهذا الوعد.
وكتب وزير الخزانة سكوت بيسنت في يوليو/تموز 2025: «لطالما تجاهلت واشنطن كيف أدت الهجرة غير الشرعية الجماعية إلى خفض الأجور بشكل مصطنع، ما أضر بالطبقة العاملة الأمريكية - وخاصة الشباب. ولكن في عهد الرئيس ترامب، أصبح لدينا الآن حدود آمنة، وازدهار في أجور العمال، واستثمارات ضخمة من الاتفاقيات التجارية».
لكن سوق العمل يروي قصة مختلفة، ففي السنة الأولى من ولاية ترامب الثانية، ارتفعت معدلات البطالة، وتباطأ التوظيف، وتوقف نمو الأجور. وقد تضرر قطاع البناء بشكل خاص.
ويتابع باحثون متخصصون في أسواق العمل والهجرة والسياسات البيئية العامة، كيف يمكن ربط هذه الاتجاهات الاقتصادية بحملة الترحيل الجماعي التي شنّها ترامب خلال ولايته الثانية. والجدير بالذكر أنه في حين شهدت المناطق التي كثّفت فيها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية عملياتها الأمنية انخفاضا في معدلات التوظيف بين المهاجرين، لم تشهد معدلات التوظيف أو الأجور بين المواطنين الأمريكيين أي زيادة.
وباستخدام بيانات من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إلى نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، درس الباحثون معدلات التوظيف والأجور للعمال المهاجرين والعمال المولودين في الولايات المتحدة في المناطق التي شهدت ارتفاعا مفاجئا في عمليات اعتقال إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، وقارنوها بالمناطق التي لم تشهد ذلك، ففي المناطق التي كثّفت فيها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية أنشطتها، وجد أن هناك انخفاضا ملحوظا في معدل التوظيف بين المهاجرين غير الشرعيين المحتملين، الذين لم يتم احتجازهم أو ترحيلهم. وكان هذا ملحوظا بشكل خاص في القطاعات التي يتواجد فيها هؤلاء العمال بكثافة، مثل الزراعة والبناء والتصنيع وأسواق الجملة، حيث حصل انخفاض بنسبة 4% في معدل التوظيف.
يبدو أن هؤلاء المهاجرين لا يفضلون البقاء في ديارهم خوفا، وهو قلق واسع الانتشار، ففي استطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث صيف عام 2025، أفاد 43% من المشاركين المولودين في الخارج، بأنهم يخشون الترحيل لأنفسهم أو لأحد المقربين منهم.
ويُقدّر تأثير الترهيب على التوظيف خلال ولاية ترامب الثانية بضعف، ما وجدته دراسة سابقة حول عمليات الترحيل الجماعي، عندما تابعت عبر برنامج «المجتمعات الآمنة» الذي أُطلق خلال ولاية الرئيس باراك أوباما الأولى. وكما ذكرت ورقة بحثية مصاحبة شاركت في تأليفها عالمة الاجتماع كايتلين باتلر، فإن التفسير الأرجح هو أن اعتقالات إدارة الهجرة والجمارك خلال ولاية ترامب الثانية كانت أكثر عشوائية ووضوحا: فقد كان متوسط عدد الاعتقالات اليومية أعلى من أي وقت مضى خلال السنوات العشر الماضية. وقد تضاعفت نسبة الاعتقالات، التي نُفذت في الأماكن العامة - كالشوارع وأماكن العمل والمحاكم ومواقف الحافلات المدرسية - أكثر من مرتين، إذ ارتفعت من 19% إلى ما يقارب 50% من إجمالي عمليات التوقيف. ونتيجةً لذلك، يُرجّح أن يكون تأثير الترهيب قد انتشر على نطاق أوسع.
تعهد ترامب خلال حملته الرئاسية عام 2024 بتركيز جهود إدارة الهجرة والجمارك على المجرمين، وخاصة مرتكبي جرائم العنف. في الواقع، تبين أن نسبة المهاجرين الذين اعتقلتهم إدارة الهجرة والجمارك ممن لديهم سوابق جنائية انخفضت إلى أدنى مستوى لها تقريبا، خلال هذه الفترة، من حوالي 60% في يناير/ كانون الثاني 2025 إلى أقل من 30% بنهاية العام.
لم تقتصر الآثار الاقتصادية على العمال المهاجرين فحسب، بل امتدت لتشمل فئات أوسع من المستهلكين، حيث قلّص العديد منهم إنفاقهم.
وجد الباحثون آثارا مماثلة على حركة المشاة، التي انخفضت بشكل حاد في المناطق التي وسّعت فيها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية أنشطتها. فعلى سبيل المثال، قدّرت دراسة أجرتها كلية وارتون ونُشرت، في مايو/ أيار 2026، أن حركة المشاة في المناطق المتأثرة بشدة بعمليات إدارة الهجرة والجمارك انخفضت بنسبة 2.7%، مع انخفاض الإنفاق بنسبة 6.2% أسبوعيا.
كان الوعد السياسي الأساسي لترامب هو أن عمليات الترحيل ستوفر فرص عمل للعمال الأمريكيين، لكننا وجدنا عكس ذلك: فقد انخفض التوظيف بين العمال المولودين في الولايات المتحدة أيضا في المناطق التي شهدت نشاطا مكثفا لإدارة الهجرة والجمارك. ولم يستجب أصحاب العمل برفع الأجور لجذب المزيد من الأمريكيين إلى أماكن عملهم، بل انخفض طلبهم على العمال.
تكمن المشكلة في الفرضية القائلة بأن العمال المولودين في الخارج والعمال المولودين في الولايات المتحدة يتنافسون بشكل مباشر على الوظائف نفسها. لكن مثال ترامب الثاني يُبرز ديناميكية مختلفة، لكن سوق العمل ليس لعبة محصلتها صفر. يميل المهاجرون والعمال المولودون في الولايات المتحدة إلى شغل وظائف مُكمّلة بدلاً من التنافس على وظائف متطابقة.
وبالطبع، فإن حملات التضييق على الهجرة ليست جديدة في تاريخ الولايات المتحدة. في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، طرد الرئيس هربرت هوفر 400 ألف عامل مكسيكي، الأمر الذي لم يُحسّن أجور أو فرص عمل العمال الأمريكيين. وحقق برنامج «المجتمعات الآمنة» الذي أطلقه أوباما في العقد الثاني من الألفية نتائج مماثلة.
وكما تُظهر أحدث الأبحاث أن عمليات الترحيل الجماعي لا تُوفر فرص عمل جديدة للمواطنين الأمريكيين. لذا، على الرؤساء الساعين إلى تعزيز سوق العمل البحث عن بدائل أخرى.
*أستاذة الاقتصاد في جامعة كولورادو بولدر
المصدر: ذا كونفرزيشين
