الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الاقتصاد الكلي ومغالطات الادخار

20 يونيو 2026 22:13 مساء | آخر تحديث: 20 يونيو 22:14 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
أقرت ورقة بحث صادرة عن معهد بروكنغز أن نظريات الاقتصاد قاصرة حتى الآن عن معالجة مشكلات الاقتصاد الكلي، في ظل التوسع المتسارع في أنشطة الاقتصاد وتنوعها.
لقد استخف عالم الاقتصاد وارن بروكس (١٩٢٨-١٩٩١)، في كتابه بعنوان «الاقتصاد كما أراه»، بالجدوى التي يمكن أن يضمنها خبير اقتصادي عائد من الخارج، وسخر من تعليق صادر عن مسؤول جوازات السفر الأمريكية، حول احتمال عدم السماح له بالعودة إلى الولايات المتحدة. كان ذلك تلميحاً إلى الضرر الذي يُلحقه الاقتصاديون من خلال أفكارهم التي نراها متطرفة، في الأنشطة اليومية للقطاعات الاقتصادية المختلفة.
وربما كان إدموند فيلبس، الذي توسع في البحث في العلاقة بين الفرد والجماعة من حيث التأثير الاقتصادي لكل منهما من وجهة نظر الباحثين الاقتصاديين، وقد توفي قبل أسابيع، ليحظى على الأرجح بموافقة بروكس، فقد سبق لفيلبس أن أثبت منذ زمن وجود علاقة بين زيادة ساعات العمل وانخفاض الضرائب المفروضة على الأفراد.
ومع ذلك، ربما لم يكن فيلبس ليختلف في الرأي مع مسؤول الجوازات، فقد أثرت ضغوط الدكتوراه أحياناً في عقله الحكيم. ولفهم السياق، نأخذ على سبيل المثال مقولة نادرة (إن لم تكن معدومة) من كتاب هنري هازليت (وهو ليس خبيراً اقتصادياً)، بعنوان «الاقتصاد في درس واحد»: «ما يضر أو يدمر الفرد يجب أن يضر أو يدمر مجموعة الأفراد الذين يشكلون الأمة بنفس القدر». كان هازليت يشير إلى الفكرة الأساسية بأن الاقتصاد ليس آلة تحتاج إلى رعاية، بل هو مجرد أفراد.
وهنا، يمكن القول، انحرف فيلبس عن المسار الصحيح، فبسبب تمسكه بالجانب الكلي للاقتصاد، أدلى بتصريحات لا تبدو منطقية عند تحليلها من منظور الاقتصاد الجزئي (وهو النوع الوحيد من الاقتصاد)، ووفقاً لنعيه في صحيفة نيويورك تايمز، ورداً على الحوافز التي تهدف إلى تشجيع الادخار، لاحظ فيلبس أنه «لا ينبغي الادخار كثيراً، لأن ذلك سيؤدي إلى تجاوز الحد المسموح به». ولأن فيلبس كان يتمتع بحكمة بالغة، كان تحليله مخيباً للآمال.
ويُرجح هنا أن السبب يكمن في تركيزه على الجماعة (الاقتصاد الكلي) على حساب الفرد. ذلك لأن أي فرد لا يمكنه أن يدخر أكثر من اللازم، فكما يتضح جلياً من عبقرية التراكم، لا توجد أي آثار سلبية للادخار.
لا شك أن المفكرين الاقتصاديين المتأثرين بالفكر الكينزي، سيقولون عكس ذلك، وربما كان لدى فيلبس نزعة كينزية كامنة. يزعم هؤلاء أن الاستهلاك هو محرك النمو الاقتصادي، لكن هذا الرأي كان ولا يزال خاطئاً، فالنمو الاقتصادي ما هو إلا إنتاج، وننتج أكثر كلما زاد رأس المال الذي نبذله.
وبغض النظر عن كل ذلك، وكما يتضح من عبقرية التراكم، لا يوجد أي انخفاض في الاستهلاك، نتيجة الادخار في المقام الأول، فالادخار ليس إلا تحويل الثروة إلى الآخرين بهدف تحقيق عائد، بمن فيهم أولئك الذين يرغبون في استثمار ثرواتهم مع الآخرين.
وافق فيلبس على أن تحفيز الاقتصاد للحفاظ على التضخم مرتفعاً قد يسهم في خفض البطالة على المدى القصير، لكن يجب أن يستمر التحفيز في النمو، وسيستمر التضخم في الارتفاع أيضاً. كلا، هذا غير صحيح على مستويات عديدة. ببساطة، الحكومات لا تملك الموارد الكافية. إن التظاهر بإمكانية استخلاص هذه الموارد من القطاع الخاص، واستهلاكها بطريقة محفزة، يفترض أن الاستهلاك الحكومي المسيّس يُنمّي الاقتصادات بطرق لا يُحققها الأفراد الأحرار، الذين يملكون حرية الاحتفاظ بما أنتجوه.
أما بخصوص البطالة، فقد اعتقد فيلبس أنها ضرورية لاقتصاد سليم، وأن انخفاضها سيؤدي إلى ارتفاع الأجور والأسعار. هذا هراء. فالأجور هي نتاج الاستثمار في العمال، وإنتاجيتهم اليومية. ولهذا السبب تتدفق استثمارات ضخمة إلى أغنى المناطق الأمريكية ذات الأجور الأعلى.
وفيما يتعلق بـ«التضخم»، صرّح فيلبس لصحيفة التايمز عام 2023 قائلاً: «إذا توقع الجميع التضخم في أماكن أخرى، فسيرفعون أسعارهم أيضاً». من المؤكد أنه كان يعلم الحقيقة. «لن» يرفعوا الأسعار، لأنه كما نرى من خلال أسعار الأسهم، تصل الشركات الأكثر قيمة إلى هذه المكانة بتعويض ما «تخسره» من انخفاض الأسعار بزيادة حجم المبيعات.
قد يلوم بعض قراء هذا المقال صحيفة التايمز على اقتباسها أفكار فيلبس خارج سياقها، ونأمل أن يكون هذا صحيحاً. لكن الافتراض الأكثر واقعية هو أن التايمز كشفت عن مشكلة في علم الاقتصاد، وتحديداً في الاقتصاد الكلي.
*كاتب عمود ورئيس معهد باركفيو، وزميل بارز في معهد«ماركتس إنستيتيوت»، ومستشار اقتصادي أول في شركة «أبلايد ساينسز»
المصدر: ريال كلير ويرلد

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة