يبدو أن هناك فجوة كبيرة بين كتاب السرد الإماراتيين والخليجيين وبين صناع الدراما والسينما سواء في الدولة أو منطقة الخليج ككل؛ ففي حين تصنع بقية الدول العربية أفلاماً ومسلسلات من كتابات مؤلفيها الروائيين، نجد هنا شحاً في تحويل النصوص السردية إلى الشاشتين الكبيرة والصغيرة في الدولة.
تعد الكاتبة فتحية النمر من أبرز الكاتبات الروائيات في الإمارات وعلى مستوى الخليج؛ إذ تتميز بإنتاج غزير ومعالجة للعديد من القضايا الاجتماعية. وهي في هذه المساحة تتصدى لظاهرة قلة اعتماد السينما والتلفزيون على الروايات الإماراتية والخليجية، فتشير إلى أن هناك الكثير من النصوص الروائية المناسبة والجديرة بالعمل عليها، والتي يسهل تحويلها إلى دراما إذا ما وُجد السيناريست الناجح، لاسيما تلك التي تتعرض لحياتنا وبلادنا في الماضي البعيد، وتحولات المجتمع في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
وتدفع النمر بجملة من الأسباب التي ربما تقف عائقاً أمام تحويل الكتابات الروائية إلى دراما أو سينما، ومنها: عدم الثقة الكافية بكتاب النصوص المحليين، فضلاً عن أن صناع الدراما لا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن الروايات الجيدة؛ وربما يعود ذلك لعدم اطلاعهم عليها وقراءتهم لها، فهم دائماً ما يعتمدون على أشخاص يوكلون إليهم مهمة البحث من دون أن يفعلوا ذلك بأنفسهم. كما أن للعلاقات الشخصية والمحسوبية دوراً في عملية الاختيار؛ فحتى لو كانت النصوص المقدمة لهم جيدة وتستحق تحويلها إلى أعمال تلفزيونية، يعزفون عن الأخذ بها دون أسباب واضحة، على الرغم من أن المطلوب من صناع الدراما هو الاعتماد على العمل الجيد، ودعمه، وتشجيعه، والترويج له، حتى إن كان صاحبه مجهولاً أو كاتباً غير معروف.
*علامات
وحول ما إذا كانت الساحة الفنية تفتقر إلى كتاب سيناريو محترفين قادرين على تفكيك النص الروائي المعقد وإعادة بنائه بصرياً، ذكرت النمر أن الحراك الفني لا يخلو من كتاب محترفين ومشهورين، بل إن بعضهم أصبح بمثابة علامة تجارية تُوكل إليهم دائماً مهمة تحويل النصوص المكتوبة إلى مادة بصرية للتلفزيون؛ غير أن ذلك الأمر لم يحل المشكلة، ولا تزال الدراما والسينما الإماراتية تعاني شحاً في الاعتماد على الكتابات الروائية.
وتلفت النمر إلى أن تجربة تحويل النصوص الروائية والسردية إلى دراما في الإمارات محدودة جداً، وربما تُختصر في رواية سلطان العميمي (ص.ب: 1003) التي تحولت إلى مسلسل رومانسي. إلى جانب بعض التجارب الأخرى التي من الأفضل والأجمل أن تتكرر في الدولة؛ فهناك الكثير من النصوص المناسبة والجديرة بالعمل عليها، والتي يسهل تحويلها إلى دراما وسينما، لما فيها من زخم إبداعي كبير، كونها محتشدة بالصور والمشهديات.
وفي سياق حديثها عن أفق لهذه المعضلة شددت فتحية النمر على ضرورة أن يكون هناك اهتمام أكبر بكتاب السيناريو المبتدئين والموهوبين منهم تحديداً ومن لديهم الشغف الجاد بالصنعة، لكنهم في حاجة للخبرة، هؤلاء يحتاجون إلى إلحاقهم بالورش التطبيقية الخاصة بتطوير فن السيناريو والكتابة الدرامية أسوة ببعض القنوات الكبرى وبعض الجهات المختصة الأخرى، كما أن هناك مسألة مهمة في هذا المجال وهي إعطاء الوقت الكافي للعاملين على النص وعدم استعجالهم للحاق بالموسم الرمضاني مثلاً، وإلا فإن النصوص لن تكون ناضجة وربما ستصبح ضعيفة.
*عقلية تجارية
تشير فتحية النمر إلى احتمالية لجوء بعض صناع السينما والدراما إلى استسهال كتابة نصوص تقليدية مخصصة للشاشة؛ تفادياً لشراء حقوق الملكية الفكرية للروايات، لاسيما وأن المنتج والمخرج ينطلقان في النهاية من عقلية تجارية تهدف إلى الربح المادي والانتشار الجماهيري. وترى أن هذا الهدف قد تحققه الأعمال المخصصة للسينما أو النصوص غير الإماراتية؛ إذ يسعى المنتجون إلى خفض النفقات عبر الاستعانة بكتاب أقل تصنيفاً وخبرة، والاعتماد على نصوص عربية أو صيغ جاهزة ومجربة بدلاً من الرهان على النصوص المحلية القوية، وقد ينتهي بهم المطاف باختيار أعمال ضعيفة لمجرد سد الفراغ في خريطة العرض وضمان نسب المشاهدة.
وحول ما إذا كان هناك روائيون إماراتيون يرفضون نقل أعمالهم إلى الشاشة خوفاً من تشويهها، رجحت فتحية النمر ذلك الأمر، خاصة أن النصوص الروائية تتميز بالتكثيف والعمق، مما يجعل بعضها غير قابل للإطالة؛ فلا تحتمل بنيتها ثلاثين حلقة درامية. وأضافت أن بعض الروايات يصعب تحويلها إلى صورة بصرية لاعتمادها على الأفكار أكثر من الأحداث، فضلاً عن قدرة الرواية على المراوغة وتمرير رسائلها بهامش حرية أكبر من السينما والتلفزيون. واختتمت مؤكدة أن الروائيين الإماراتيين يظلون، في كل الأحوال، الأقدر على التعبير عن واقع مجتمعهم.