تشتد موجة الحر التي تجتاح أوروبا، حيث يعاني نحو 101 مليون نسمة، نصفهم في فرنسا، حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية، الخميس، بينما بدأت السلطات الفرنسية والإسبانية بإحصاء الوفيات التي يُمكن ربطها بها.
وقالت لوسين نازيكيا، البالغة من العمر 97 عاماً، والمقيمة في دار رعاية غربي لندن: «الطبيعة غاضبة منا لأننا ندمر كل شيء». وأضافت: «إذا لم نفعل شيئاً، فسيكون الأوان فات. هذا الأمر يسبب لي القلق لأن لدي أطفالاً، وهذا ليس طبيعياً».
وقال آرتور (28 عاماً)، وهو مهندس في مدينة رين، طلب عدم ذكر كامل اسمه: «بات الأمر مرهقاً للجسد والعقل».
وكان يتوقع أن يختبر أكثر من 380 مليون شخص في عموم القارة (باستثناء تركيا)، أي أكثر من ثلثي إجمالي السكان، درجات حرارة تتجاوز 30 مئوية، الخميس، وفق تحليل مستند إلى توقعات هيئات الأرصاد الجوية.
ويتوقع أن تبلغ موجة الحرارة التاريخية ذروتها في فرنسا. أما الجمعة، فينخفض عدد الأقاليم التي أُعلِنت فيها حال التأهب القصوى من 72 إلى 61، أي نحو ثلثَي فرنسا، بحسب ما أعلنت هيئة «ميتيو فرانس» للأرصاد الجوية.
وبدأت فرنسا بإحصاء عدد المتوفين غرقاً، أو في منازلهم، أو في الشوارع.
وأعلن عمدة باريس، إيمانويل غريغوار، الخميس «ارتفاع معدلات الوفيات» في العاصمة، حيث تخطت الحرارة 40 درجة مئوية، الأربعاء، للمرة الرابعة فقط خلال 150 عاماً. وأفادت وزارة الصحة بتسجيل 25 حالة توقف قلب في غضون 24 ساعة، بينما يبلغ العدد المعتاد لهذه الحالات عشراً.
وتشهد دول عدة، خصوصاً في غرب أوروبا، ارتفاعاً حاداً في الحرارة، منذ نهاية الأسبوع المنصرم، في ثاني موجة من نوعها خلال أقل من شهر. وتعاني هذه الدول غالباً ضعف التجهيز للتأقلم مع الحرارة العالية، خاصة في وسائل النقل العام المكتظة، والمنازل.
وانعكس الحر إقبالاً هائلاً على شراء وسائل التبريد ومراوح الهواء، ما أدى لانقطاع شبه تام لهذه المنتجات من المتاجر في مدن كبرى. واستنفرت منظومة الرعاية الصحية إمكاناتها للتمكن من «الاستمرار على المدى الطويل» في مواجهة موجة الحر هذه التي قد تستمر آثارها أياماً عدة، على الأجسام الضعيفة.
إضافة إلى ذلك، أُوقِف، الخميس، تشغيل مفاعل نووي ثانٍ، ثم ثالث بسبب الحرارة.
«واقع ملموس»
تشهد ألمانيا درجات حرارة يُحتمَل أن تكون تجاوزت 40 درجة مئوية في بعض المناطق مُحقِقَة مستويات قياسية. وأُلغيت أنشطة رياضية وثقافية في الهواء الطلق، كسباق نصف الماراثون، في هامبورغ (الشمال).
ونصحت شركة السكك الحديدية الألمانية «دويتشه بان» زبائنها بتجنّب السفر، على غرار ما فعلت شركات أوروبية أخرى مماثلة.
وفي إسبانيا، أظهرت بيانات نشرها معهد «كارلوس الثالث» الصحي في مدريد، أن نحو 212 وفاة مسجلة بين الأحد والأربعاء، يمكن ربطها بموجة الحر الراهنة في أوروبا.
وفي إيطاليا، أحصت صحيفة «كورييري ديلا سيرا» خمس وفيات بسبب الحر، من بينها عاملان زراعيان، وثالث في مجال البناء.
وأعلنت المحاكم في باليرمو تعليق جلساتها غير المستعجلة حتى 29 يونيو/ حزيران الجاري، بسبب «درجات حرارة داخلية غير مألوفة ناجمة عن عطل في نظام التكييف».
ودفع عطل مماثل معرض «أوفيتسي» في فلورنسا إلى تعليق بيع التذاكر، حتى الأحد.
وفي بريطانيا، مددت الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية إلى مساء الجمعة، في لندن وجزء من الجنوب الشرقي، التحذير الأحمر الذي نادراً ما تصدره من «حرارة مفرطة».
وأعلنت هيئة الإسعاف في العاصمة البريطانية، أن «عدد التدخلات في حالات طوارئ تشكّل خطراً على الحياة بلغ رقماً قياسياً تاريخياً».
وقال رئيس البلدية، صادق خان، الذي أصدر أول «خطة لمواجهة موجات الحر» في تاريخ العاصمة: إن «ارتفاع درجات الحرارة لم يعد تهديداً مستقبلياً، بل أصبح واقعاً ملموساً بشكل متزايد بالنسبة إلى سكان لندن».
مطالبات بإراحة العمال
تعود الموجة الحالية إلى كتلة هائلة من الهواء الحار فوق أوروبا الغربية مصدرها إفريقيا، زادها سوءاً الضغط المرتفع في طبقات الجو العليا.
ويؤكد علماء المناخ، أن تواتر موجات الحرارة مؤشر على التغير المناخي، الناجم بشكل أساسي عن استخدام الوقود الأحفوري. ويتوقع أن تتضاعف هذه الموجات الحارة، وأن تطول مدتها وتشتد حدتها، في ظل نقص الخطوات اللازمة للحد من الاحترار.
وفي ظل تأثير الحر في العاملين في قطاعات اقتصادية عدة، دعت النقابة الأوروبية لاتحادات العمال، الخميس، الاتحاد الأوروبي إلى إقرار «استراحات انتعاش» إلزامية للعمال المعرّضين للحرّ، على غرار تلك التي اعتمدها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) خلال كأس العالم 2026 المقامة في الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك.
وطالبت النقابة المفوضية الأوروبية بالعمل على ضمان «حق العمال في استراحات من دون فقدان للأجر»، أثناء موجات الحر الشديدة.
وتتحرك موجة الحر ببطء نحو الشمال الشرقي، ويتوقع وفقاً لوكالة «ميتيو ألارم» أن تعود السواحل الأطلسية الفرنسية إلى مستوى التحذير البرتقالي، بينما يمتد مستوى التحذير الأحمر إلى غرب ألمانيا، وهولندا، وجبال الألب السويسرية والإيطالية، وسواحل كرواتيا.
وأصدر المعهد الهولندي للأرصاد الجوية، للمرة الأولى، تحذيراً من المستوى الأحمر يدخل حيّز التنفيذ، الجمعة، في جزء كبير من البلاد، إذ توقع أن تصل الحرارة إلى 40 درجة.
وتخطت الحرارة في سويسرا، بفارق كبير، المستوى القياسي لشهر يونيو / حزيران المسجل قبل نحو 80 عاماً، إذ بلغت، الخميس، 38 درجة مئوية في مدينة بازل بشمال البلاد.
وفي جمهورية التشيك، حال الحرّ دون استمتاع السياح بروائع براغ بالكامل. وقالت السويدية شتينا هيلكفيست (48 عاماً) التي تسافر في أوروبا مع زوجها وطفليهما: «نشرب الكثير من الماء، ونخرج لوقت قصير في الحر ثم نعود إلى الفندق». وأضافت: «نحاول رغم كل شيء أن نستمتع. الأمور على ما يرام، لكننا نمضي في غرفة الفندق وقتاً أطول بكثير مما كان يُفترض».
وفي كرواتيا، أُعلِن المستوى الأحمر من التحذير على كامل السواحل الأدرياتيكية التي تستقطب عدداً كبيراً من السياح، من دوبروفنيك في الجنوب إلى زادار في الشمال. وارتفعت حرارة البحر أيضاً، إذ بلغت 27 درجة في الماء، الخميس، في جزيرة كرك.
أما الدنمارك، فستنتقل تقريباً، الجمعة، إلى حالة التأهب البرتقالي (ثاني أعلى مستوى من التحذير)، في حين رفعت السلطات النمساوية درجة التحذير من الحر إلى المستوى الأقصى خلال عطلة نهاية الأسبوع، ويوم الاثنين، في فيينا وشرق البلاد، وكذلك في مدن جنوبية.