الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
ألاعيب السياسة.. وأسرار كأس العالم «2-3»

كيف أشعلت كرة القدم الحروب والصراعات بين الدول؟

25 يونيو 2026 23:29 مساء | آخر تحديث: 25 يونيو 23:38 2026
دقائق القراءة - 7
شارك
share
icon الخلاصة icon
السياسة أثرت في قرارات ونتائج المونديال: حرب السلفادور وهندوراس 1969، «معجزة برن» 1954 لهوية ألمانيا، وتوظيف لاتيني للانتصارات للشرعية
هل صحيح أن «الفوز في مباراة كرة قدم دولية أهم من السيطرة على مدينة كبيرة»؟
هذا بالضبط ما قاله وزير الدعاية الألماني جوزيف جوبلز الأسبق.. فمنذ النسخة الأولى من مونديال أوروغواي عام 1930 وحتى النسخة الحالية في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، كانت السياسة المحرك لكثير من القرارات التي تتعلق بالمنتخبات المشاركة في مونديال كرة القدم حيث ينظر الكثير من الحكومات لأداء منتخباتها ونتائجها في مباريات كأس العالم باعتبارها «رافعة سياسية» للتوجهات السياسية التي يحملها النظام السياسي أو يروج لها في هذه الدولة أو تلك، ولهذا تسبب الصراع على التأهل لكأس العالم أو الفوز في المباريات إلى حرب طاحنة بين السلفادور وهندوراس  قتل فيها أكثر من 3000 شخص.
كيف أشعلت كرة القدم الحروب والصراعات بين الدول؟
كيف أشعلت كرة القدم الحروب والصراعات بين الدول؟
لقد وظف زعماء دول عملاقة في كرة القدم مثل البرازيل والأرجنتين وتشلي في الستينات والسبعينات إنجازات منتخباتهم الكروية في كأس العالم لتعزيز السيطرة السياسية الداخلية أو خدمة محاور أو تحالفات سياسية وعسكرية في الخارج، وكانت مباراة كرة القدم في كأس العالم إحدى «الجبهات الساخنة» في الحرب الباردة بين حلف «وارسو» بقيادة الاتحاد السوفييتي من جانب، وحلف دول شمال الأطلسي «الناتو» من جانب آخر، لكن لا يمكن القول إن «التوظيف السياسي» لمونديالات كرة القدم كان دائماً سلبياً، فالشعبية الجارفة للساحرة المستديرة جعلها أيضاً يمكن أن تكون «رافعة للأمل والازدهار»، ودليلاً على تعافي الأمم ونجاحها، وخير شاهد على هذا الأمر هو توظيف فوز ألمانيا الغربية بكأس عام 1954، حيث ينظر الألمان لهذا الفوز باعتباره عنواناً لعودة الأمة الألمانية من جديد بعد كل الدمار الذي حدث لألمانيا في الحرب العالمية الثانية، فكيف كانت كرة القدم وراء الحرب بين السلفادور وهندوراس؟ وإلى أي مدى كانت مونديالات كرة القدم في فترة الحرب الباردة هي جبهة للصراع بين الأفكار الشيوعية من جانب والأيدلوجية الغربية التي تقوم على الليبرالية السياسية والاقتصاد الحر من جانب آخر؟ وإلى أي مدى كان «النبوغ الكروي» لدول أمريكا اللاتينية في مونديالات كرة القدم يخفي وراءه استغلالاً وأزمات سياسية واقتصادية غير مسبوقة.
الفريق الألماني في التدريبات قبل مباراة المجر بمونديال سويسرا
الفريق الألماني في التدريبات قبل مباراة المجر بمونديال سويسرا

الرياضة ضحية

كانت الرياضة ضحية للخلافات والصراعات السياسية منذ أكثر من قرن، لأن لاعبي المنتحبات الأوروبية اضطروا للانضمام إلى جيشهم للدفاع عن بلادهم خلال الحربين العالمية الأولى والثانية، وفي مونديال 1938 غابت إسبانيا بسبب الحرب الأهلية الإسبانية، وتم إلغاء نسختي 1942 و1946 بسبب الحرب العالمية الثانية، وجاء اختيار البرازيل لتنظيم أول كأس عالم بعد الحرب العالمية الثانية عام 1950 بسبب اندلاع «الحرب الباردة» بين المعسكرين الشرقي والغربي، وسبق أن تم إلغاء دورة الألعاب الأولمبية أكثر من مرة بسبب الحروب، الأولى عام 1916 خلال الحرب العالمية الأولى، ومرتين عامي 1940 و1944 خلال الحرب العالمية الثانية، كما أن بدء الحرب الصينية اليابانية عام 1937 تسبب في حرمان اليابان من تنظيم أول أولمبياد في آسيا، وقاطعت الولايات المتحدة والدول الغربية أولمبياد موسكو عام 1980 اعتراضاً على غزو الاتحاد السوفييتي السابق لأفغانستان عام 1979. 
المنتخب المجري بقيادة بوشكاش وهيديكوني الذي خسر أمام ألمانيا الغربية 1954
المنتخب المجري بقيادة بوشكاش وهيديكوني الذي خسر أمام ألمانيا الغربية 1954

حرب السلفادور مع هندوراس

بهدف التأهل لكأس العالم في المكسيك عام 1970 اضطرت هندوراس وجارتها السلفادور إلى خوض 3 مباريات، الأولى كانت في عاصمة هندوراس تيجوسيالبا، وفازت فيها هندوراس بهدف واحد مقابل لا شيء، لكن هذه المباراة تركت آثاراً مؤسفة لم تندمل حتى اليوم، بعد أن ظلت جماهير هندوراس تطلق الأعيرة النارية بجوار الفندق الذي تقيم فيه بعثة السلفادور، واستمر الصياح والضوضاء ومحاولة اقتحام الفندق طوال ليل المباراة، ولم يستطع فريق السلفادور النوم حتى موعد المباراة التي خسرها عندما استقبل هدفاً من هندوراس، لكن أخطر ما جرى في تلك الليلة هو انتحار فتاه من السلفادور نتيجة خسارة بلادها تدعى «أميليا بولانيوس» وذلك عندما أطلقت النار على نفسها، ونشرت الصحافة السلفادورية صورتها باعتبارها «شهيدة» أهدرت هندوراس كرامتها، وكل ذلك أضاف فاجعة قومية حيث تحول انتحار تلك الفتاة إلى مادة سياسية دسمه تدعو للانتقام، وفي مباراة العودة في سان سلفادور فازت السلفادور 3 - صفر وسط أجواء انتقامية من فريق كرة القدم الهندوراسي، وإهانة علم هندوراس، وقال مدرب هندوراس بعد عودته من تلك المباراة: «كنا محظوظين لأننا خسرنا، لو فزنا لما خرجنا أحياء من ذلك الملعب».
ودفعت هذه الأحداث هندوراس إلى طرد نحو 100 ألف لاجئ وفلاح سلفادوري، ولحسم بطاقة التأهل ذهب البلدان إلى المكسيك في مباراة فاصلة في 27 يونيو 1969 وفازت فيها السلفادور 3-2 على هندوراس، وهي مباراة لم تخلُ من الاشتباكات بين جماهير البلدين والتحريض الإعلامي من الجانبين، وبعد 17 يوماً فقط على تأهل السلفادور بدأت الحرب بين البلدين  واستمرت الحرب البرية والقصف الجوي لمدة 4 أيام حققت السلفادور نجاحات في الساعات الأولى، واستولت على بلدات حدودية لكن الطيران الهندوراسي قصف خزانات الطاقة في السلفادور ما أدى إلى وقف إمدادات الطاقة إلى الجبهة الأمامية والدبابات التي كانت تستولى على المدن الهندوراسية على الجانب الآخر من الحدود، وبسبب إغلاق هندوراس للحدود انهارت منظمة «السوق المشتركة لأمريكا الوسطى» وانهار الاقتصاد السلفادوري بسبب عودة 100 ألف سلفادوري كانوا يعملون في هندوراس، وهو ما تسبب في اضطرابات اجتماعية وسياسية قادت إلى نشوب «الحرب الأهلية السلفادورية».
نجوم المنتخب الألماني الفائز بكأس العالم 1954
نجوم المنتخب الألماني الفائز بكأس العالم 1954

معجزة برن

جمعت المباراة النهائية لمونديال كأس العالم في مدينة برن عاصمة سويسرا عام 1954 ألمانيا الغربية مع المجر التي كان يطلق عليها «الفريق الذهبي»، لأنها فازت في آخر 30 مباراة قبل كأس العالم في برن، وكانت تضم لاعبين ذوي مهارات خاصة، فبجانب بوشكاس كان هناك زولتان تشيبور، وساندور كوتشيش، وناندور هيديكوتي بينما الفريق الألماني لم يكن بالمستوى الذي يؤهله للفوز على المجر، وفي دوري المجموعات في نفس المونديال اكتسحت المجر ألمانيا الغربية بثمانية أهداف مقابل ثلاثة فقط، وحتى في المباراة النهائية تقدمت المجر في أول 8 دقائق بهدفين لبوشكاس وزولتان تشيبور قبل أن تغير ألمانيا الغربية سير المباراة وتحقيق ريمونتادا بإحراز ثلاثة أهداف متتالية.
ولا يمكن النظر إلى هذه المباراة باعتبارها مباراة من 90 دقيقية لأن تأثيراتها السياسية والاجتماعية كانت فارقة في حياة الألمان، فالمباراة جاءت بعد 9 سنوات فقط من هزيمة ألمانيا وتدميرها على يد الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، واللاعبون الذين شاركوا في المباراة نشأ جميعهم في ظل الدمار والهزيمة والخزي، ولهذا كان فوز ألمانيا الغربية بهذه المباراة بمثابة استعادة «المقبولية الألمانية» من جديد على الساحتين الأوروبية والعالمية، ومن هنا تحولت هذه المباراة إلى رافعة سياسية واجتماعية واقتصادية، وشكلت تحولاً كاملاً في مسيرة استعادة ألمانيا لهويتها، لأن الفوز على الفريق الذهبي المجري الذي كان يضم اللاعبين التاريخيين شكل عودة جديدة للروح الألمانية المثابرة، ولهذا أطلق على هذه المباراة «معجزة برن» فكل الترشحيات كانت تؤكد فوز المجر بفارق كبير على منتخب ألمانيا الغربية، ولهذا رسم فوز الفريق الألماني «صورة نمطية وذهنية جديدة» تختلف تماماً عن ألمانيا التي جرى تقسيمها قبل هذه المباراة ب 9 سنوات فقط، وأكدت تلك المباراة أن ألمانيا عادت كدولة ديمقراطية سلمية تشارك العالم أحلامه وأهدافه، وليست دولة نازية تسعى لاحتلال وتدمير الآخرين، ويكفي أن هذه المباراة أنها أعطت الشعب الألماني شعوراً جديداً بقدرتهم على تحقيق «إنجاز جماعي» بعد سنوات الحرب والدمار، وهذا المنتخب لم يكن مجرد لاعبين بل أصبح رمزاً وعنواناً للقدرة على البناء حيث ظل هذا المنتخب دليلاً على قدرة الألمان على العمل الجماعي والانضباط والإصرار، لأن هذا الفوز لم يرتبط فقط بالأداء والمهارة الفردية للاعبين، بل بقيادة الأسطورة سيب هيربرجر، الأمر الذي كان يقول إن «معجزة برن» تحققت بفعل العمل الجماعي، وبعد معجزة برن سادت روح العمل الجماعي بين غالبية الفئات في المجتمع الألماني بما فيه أداء الحكومات في ألمانيا الغربية حيث كانت ألمانيا أقل دول أوروبا الغربية في تغيير الحكومات، ويعتبر غالبية الألمان أن التمهيد لإعادة توحيد ألمانيا في 3 أكتوبر عام 1990 بدأ من «معجزة برن»، لأن من خلال الفوز في مونديال سويسرا 1954 أكد الألمان أنهم قادرون على تقديم نموذج مختلف عن النازية القائم على قهر وقتل الآخرين، وهو ما ساعد في النهاية لتقبل الدول في شرق وغرب أوروبا بفكرة «إعادة توحيد ألمانيا» من جديد، لأن هذه المباراة «أعادت تعريف» ألمانيا من جديد لأوروبا والقوى الكبرى والعالم، وقدمت ألمانيا باعتبارها دولة وشعب يريد الاندماج السلمي مع باقي الدول والمجتمعات، ولهذا يمكن القول إن هذه المباراة خلقت «هوية جديدة» ديمقراطية بالتزامن مع عودة الشعور الوطني دون أن يكون مرتبط هذا الشعور بالهيمنة والصراع، وعبرت صورة قائد المنتخب الألماني فالتر فرينز وهو يحمل كأس العالم خير تعبير عن هذه الصورة الجديدة حيث كان فرينز جندي سابق، وهرب من المعتقلات السوفييتية، وهو ما أكد أنه من رحم معاناة الحرب العالمية الثانية تولد ألمانيا الجديدة
لكن أكثر ما يمكن مشاهدته في هذه المباراة هو النمو الصاروخي للاقتصاد الألماني بعد هذه المباراة، إذ شكلت الخمسينات والستينات من القرن الماضي قفزة غير مسبوقة في الاقتصاد الألماني بعد أن أدت هذه المباراة إلى الانتقال من حالة الإحباط والضياع التي رافقت الحرب العالمية الثانية إلى حالة من التفاؤل والرغبة في الانفتاح على العالم.
قائدا المجر وألمانيا قبل معجزة برن
قائدا المجر وألمانيا قبل معجزة برن

التوظيف السياسي

لم تكن دول أمريكا اللاتينية والكاريبي بعيدة عن التوظيف السياسي لمونديال كرة القدم حيث استفادت من نجاح فرقها الكروية والحصول على كأس العالم لتعزيز الصورة السياسية والانتخابية لهذه الأنظمة، وكان الاحتفال بالفوز في مباريات كأس العالم جزءاً من توظيف كرة القدم من أجل تحقيق «إجماع وطني» حول النظام القائم، وذلك بتقديم سردية تقوم على أن الفوز في مباراة كأس العالم دليل على قوة الدولة ووحدتها، وخلال ما سمى «بالحرب القذرة» في الأرجنتين خلال سبعينات القرن الماضي حاولت الحكومة وقتها توظيف استضافة وفوز الأرجنتين بكأس العالم عام 1978 باعتباره دليلاً على قوة الدولة ونزاهتها وديمقراطتيها، بينما كان الواقع غير ذلك تماماً حيث قتل وسجن الآلاف من الأرجنتينيين في «الحرب القذرة» التي انتهت بعودة الديمقراطية إلى الأرجنتين
وفي البرازيل حاول النظام الديكتاتوري عام 1970 أن يستغل «رمزية اللاعب بيليه» وفوز البرازيل بمونديال المكسيك عام 1970 بالتغلب في المباراة النهائية على إيطاليا 4-1 لتعزيز المكانة السياسية للنظام السياسي البرازيلي، وتسويق عبقرية ونجاح اللاعب بيليه باعتباره دليلاً على صعود البلاد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، بينما كان الفقر والقتل وتجارة المخدرات هي العناوين الحقيقية للبرازيل في ذلك التاريخ منذ نحو 55 عاماً، ورغم محاولة بعض الأنظمة توظيف النجاح في كرة القدم باعتباره حالة إجماع وطني حتى لو كان مؤقتاً إلا أن التفاصيل الحقيقية لسكان أمريكا الجنوبية كانت تطفو بسرعة من خلال الحروب الداخلية وشيوع الفقر والاغتيالات السياسية وانتشار تجار المخدرات، وحالياً نجحت غالبية الدول في أمريكا اللاتينية والكاريبي وخاصة في الأرجنتين والبرازيل في التخلص من الأنظمة الديكتاتورية وأصبحت دول ديمقراطية تدعم كرة القدم وفي الوقت نفسه تراعي حقوق الإنسان.
[email protected]
صور للفوضى في مباراة هندوراس والسلفادور التي انتهت بفوز السلفادور 3-0 في السلفادور
صور للفوضى في مباراة هندوراس والسلفادور التي انتهت بفوز السلفادور 3-0 في السلفادور
عودة 100 ألف سلفادوري من هندوراس بسبب الخلاف على نتائج المباريات
عودة 100 ألف سلفادوري من هندوراس بسبب الخلاف على نتائج المباريات

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة