صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
أيمن سمير
كاتب ومحلل سياسي
أحدث مقالات أيمن سمير
18 يونيو 2026
كيف استغل هتلر وموسوليني كرة القدم لتحقيق أهدافهما؟

هل تُفسد السياسة المناسبات الرياضية الإقليمية والدولية؟ أم تُصلح الرياضة وتحديداً كرة القدم «الساحرة المستديرة»ما أفسدته السياسة بين الأمم والشعوب؟.. التاريخ يثبت أن «هناك زواج كاثوليكي بين الرياضة والسياسة»، ودائماً ما يوظف السياسيون كرة القدم لتحقيق أهدافهم وخططهم.

التوصيفات والتساؤلات السابقة ربما تتعارض مع كل القوانين التي وضعها الاتحاد الدولي لكرة القدم، والتي تمنع إقحام السياسة بأي شكل من الأشكال في عالم كرة القدم. ولكن يلاحظ أنه منذ الدورة الأولى لكأس العالم في أورجواي عام 1930 وحتى كأس العالم الحالية 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، كانت السياسة حاضرة وبقوة في مسيرة كرة القدم منذ أن وجد الفرنسيون أن الإنجليز سبقوهم إلى اختراع كرة القدم الحديثة، فبذلوا جهوداً ليسجل اسمهم في التاريخ عبر وضع القوانين التي تنظم كرة القدم حتى يذكروا دائماً بجانب الإنجليز عندما يأتي الحديث عن الساحرة المستديرة.

هتلر في مدرجات كرة القدم
هتلر في مدرجات كرة القدم

من التساؤلات التي تطرح حول علاقة السياسة بكأس العالم: هل الاستعلاء السياسي الأوروبي كان وراء قرار الفرق الأوروبية بعدم الذهاب إلى أورجواي للمشاركة في كأس العالم الأولى عام 1930 عندما شارك 13 فريقاً فقط في البطولة؟ وكيف كان ينظر هتلر وموسوليني إلى كرة القدم؟ وماذا عن الرواية التي تقول بأن تهديدات موسوليني للفريق الإيطالي كانت وراء تساهل حارس المجر - في البطولة الثالثة لكأس العالم في باريس عام 1938 - حتى يحصل الفريق الإيطالي على بطولة كأس العالم، وينجو من تهديدات موسوليني؟ وهل كانت رغبة هتلر في الحصول على كأس العالم وراء غزو النمسا حتى يتم دمج عدد من لاعبي الفريق النمساوي لكرة القدم في الفريق الألماني؟ وكيف نجح مواطن إيطالي في الاحتفاظ بكأس العالم رغم تفتيش الجيش النازي منزله في روما؟

الإيطالي الذي أخفى كأس العالم عن هتلر
الإيطالي الذي أخفى كأس العالم عن هتلر
الإيطالي مياترا هداف بطولة عام 1934
الإيطالي مياترا هداف بطولة عام 1934

رغم أن الإنجليز هم من اخترعوا كرة القدم، والفرنسيين هم الذين وضعوا القوانين المنظمة للعبة الأكثر شعبية في العالم، فإن تنظيم أول دورة لكأس العالم ذهب إلى أورجواي في جنوب أمريكا اللاتينية، وهو ما تسبب في امتعاض ورفض العديد من القوى الكروية الأوروبية خاصة بريطانيا التي قررت منتخباتها الثلاثة (إنجلترا - ويلز - إسكتلندا) عدم الذهاب إلى دولة صغيرة في أمريكا الجنوبية، بينما كان يطلق على بريطانيا في ذلك الوقت «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس»، ونفس الأمر بالنسبة لمنتخبات أوروبية أخرى تم دعوتها لكنها قررت عدم الذهاب مثل ألمانيا والنمسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا والمجر، وردت أورجواي على هذه الإهانة «السياسي - كروية» برفضها المشاركة في نسخة كأس العالم الثانية في إيطاليا عام 1934 لتكون أورجواي هي الوحيدة في تاريخ كأس العالم لكرة القدم التي رفضت الدفاع عن لقبها في الدورة التالية رداً على عدم مشاركة إيطاليا والأوروبيين في الكأس الأولى رغم وفاء أورجواي بتنفيذ كل الشروط التي طلبها منها الاتحاد الدولي لكرة القدم، ومنها بناء أكبر استاد في العالم «سينتيناريو» في 9 شهور فقط، الذي كان يسع وقتها نحو 90 ألف متفرج، وتم بناؤه بمناسبة مرور 100 عام على وضع دستور الأورجواي.

الرجل الورقة الذي قتله هتلر لأنه رفض اللعب باسم النازيين
الرجل الورقة الذي قتله هتلر لأنه رفض اللعب باسم النازيين

الكأس أو الموت

هناك اتفاق بين مؤرخي كرة القدم على أن قائد النظام الفاشستي بينيتو موسوليني استخدم كرة القدم في كأس العالم التي استضافتها إيطاليا عام 1934، وكأس العالم في باريس عام 1938، اللتين فازت فيهما إيطاليا من أجل الترويج لنظام حكمه، وتلميع ونشر الفكر الفاشستي في كل دول العالم، فلم يكن موسوليني ينظر لكرة القدم باعتبارها لعبة رياضية، بل وسيلة لتأكيد تفوق نظامه السياسي، وضغط موسوليني بكل أوراقه من أجل حصول إيطاليا على كأس العام 1934 من خلال توظيف كل موارد وإمكانيات الدولة لإظهار الأفكار الفاشية أثناء البطولة عندما امتلأت الشوارع والملاعب بالشعارات والرموز الفاشية، وتحولت المباريات إلى منصات لعرض أفكار موسوليني، وإجبار لاعبي الفريق الإيطالي على أداء التحية «للدوتشتي» وهو لقب موسوليني، الأمر الذي عرّض الفريق الإيطالي بقيادة المدرب القدير فيتوريو بوتزو لضغوط غير مسبوقة لإرضاء الزعيم والفوز بالكأس، لكن هناك من يذهب إلى أكثر من ذلك ويقول إن موسوليني هدد الحكام لو ارتكبوا أخطاء تؤثر في نتائج الفريق الإيطالي لن يخرجوا من إيطاليا، ورغم تأكيد الكثيرين أن موسوليني لم يتدخل لتعديل النتيجة إلا أن تهديده للحكام وإرهابهم - حتى لو كان من باب السخرية - جعلهم مستعدين للتغاضي عن أخطاء كثيرة حتى يتحقق الفوز للفريق الإيطالي بالنسخة الثانية من كأس العالم.

وفي مباريات كأس العالم التي استضافتها فرنسا عام 1938 وسط أجواء ما قبل الحرب العالمية الثانية ضغط موسوليني على الفريق الإيطالي ليرتدي القمصان السوداء بالكامل، وهو اللون الذي يرمز إلى «الميليشيات الفاشية»، وهناك رواية تاريخية تقول بأن موسوليني أرسل برقية إلى المنتخب الإيطالي قبل مواجهة المجر في نهائي عام 1938 قال لهم فيها عبارة حازمة «الفوز أو الموت»، ورغم أن بعض المؤرخين وصفها بأنها رسالة تحفيزية أكثر منها تهديد بقتل المنتخب الإيطالي لو خسر البطولة والمباراة، إلا أن المضمون المزدوج لمثل هذه الرسائل في هذا التوقيت قبل دقائق من المباراة النهائية يؤكد أنها أشاعت جواً من الرعب والخوف في قلوب المنتخب الإيطالي الذي كان يخشى الهزيمة وخسارة اللقب.

وترتبط بهذه المباراة قصة حارس المرمى المجري أنتال زابو، وهناك مساران لهذه القصة، المسار الأول يقول إن رسالة «الفوز أو الموت» وصلت إلى المنتخب المجري، وتأثر بها الحارس المجري بشدة، وكان يخشى على زملائه الرياضيين من الفريق الإيطالي، وقال مقولته الشهيرة عقب المباراة التي استقبل فيها 4 أهداف إيطالية «ربما أكون قد استقبلت 4 أهداف، لكنني على الأقل أنقذت حياة أحد» وهو ما يعني أنه تهاون وتساهل حتى ينقذ الفريق الإيطالي.

منتخب هتلر وأداء تحية النازية في الملاعب الرياضية
منتخب هتلر وأداء تحية النازية في الملاعب الرياضية
هتلر أجبر المنتخب النمساوي على الاندماج في المنتخب الألماني
هتلر أجبر المنتخب النمساوي على الاندماج في المنتخب الألماني

لكن المسار الثاني لتفسير هذه الواقعة يقول إن كلمات زابو كانت للسخرية فقط، ولم يكن هناك أي تهاون من جانبة أو من جانب الفريق المجري، ويستند أصحاب هذا التفسير إلى أن لقطات المباراة والصور المنشورة عنها تكشف تصدي أنتال زابو بقوة للهجمات الإيطالية، وأنه منع أكثر من هدف محقق.

لم تشارك إيطاليا في كأس العالم الأولى التي استضافتها أورجواي عام 1930 وشارك فيها 13 فريقاً فقط بسبب التكاليف العالية، والكساد الاقتصادي، ورفض بعض الدول الأوروبية الذهاب بعيداً في أقصى جنوب أمريكا اللاتينية، لكن إيطاليا استضافت عام 1934 النسخة الثانية من بطولة كأس العالم وفازت بها بعد الفوز في المباراة النهائية على تشيكوسلوفاكيا التي تفككت بعد حرب البلقان عام 1991، وعاد الإيطاليون بكأس العالم من فرنسا بعد فوزهم بها في نسختها الثالثة عام 1938 على فريق المجر الرهيب بأربعة أهداف مقابل هدفين، لكن بعد ذلك اندلعت الحرب العالمية الثانية، وكان هناك تحالف عسكري وسياسي بين الزعيمين الفاشي الإيطالي بينيتو موسوليني والنازي أدولف هتلر في الحرب ضد الحلفاء منذ تشكيل الطرفين محور «روما - برلين» عام 1936، وخلال الحرب نجح الحلفاء في عمل إنزال بري على جزيرة صقلية الإيطالية في «عملية هاسكي» في 9 و10 يونيو 1943، وبدأ جنود موسوليني يتراجعون إلى الشمال، وهنا تم عزل موسوليني من جانب حكومة تشكلت حديثاً، وبينما كان الحلفاء يزحفون نحو روما حاول هتلر أن ينقذ صديقه وحليفه موسوليني، وأرسل قواته إلى إيطاليا، وكان ضمن مهام القوات النازية البحث عن كأس العالم التي فازت بها إيطاليا، وكانت تحتفظ بها في روما منذ عام 1938، وبدأ الجنود الألمان يبحثون عن كأس العالم من بيت إلى بيت، ومن شارع إلى شارع، وهنا جاء دور المسؤول في الاتحاد الإيطالي لكرة القدم أوتورينو باراسي حيث اتفق مع البنك الذي كانت كأس العالم موجودة فيه على أخذها إلى بيته حتى يخفيها بعيداً عن الجنود النازيين الذين جاؤوا لدعم موسوليني، وبالفعل وضع باراسي كأس العالم في حقيبة كبيرة كانت توضع فيها الأحذية، ووضع هذه الحقيبة التي تشبه الأكياس أسفل السرير الذي ينام عليه، وبالفعل شك الألمان في باراسي، وذهبوا وفتشوا بيته لكنهم لم يتخيلوا أنه وضع كأس العالم في حقيبة الأحذية، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية أعاد باراسي - الذي أصبح رئيساً للاتحاد الإيطالي لكرة القدم - كأس العالم إلى الحكومة الإيطالية الديمقراطية التي تشكلت عقب نهاية الحرب، وسافر باراسي بصحبة كأس العالم إلى البرازيل التي نظمت البطولةعام 1950، وفازت بها أورجواي بعد تغلبها على البرازيل في المباراة النهائية بهدفين مقابل هدف واحد.

اللاعب الورقة الذي تحدى هتلر
اللاعب الورقة الذي تحدى هتلر

سرقة فريق العجائب

عندما كان هتلر وموسوليني على رأس السلطة في ثلاثينيات القرن الماضي حولا كرة القدم إلى «أداة دعائية» لأنظمتهما السياسية، وكان فريق كرة القدم النمساوي من أقوى المنتخبات الأوروبية، وكانت هناك رغبة جامحة من هتلر في تعزيز وتقوية فريق كرة القدم الألماني المشارك في كأس العالم في باريس، ولهذا سارع هتلر باحتلال النمسا في 12 مارس 1938 قبل انطلاق البطولة الثالثة لكأس العالم في فرنسا في 8 يونيو من نفس العام، وكان الفريق النمساوي بقيادة المدرب العبقري هوجو ميسل يحقق نتائج مبهرة، وكان أول فريق يتبنى ما يعرف اليوم بالكرة الشاملة التي تعتمد على التحرك من دون كرة، والتمريرات القصيرة والسريعة، وتغيير المراكز مع تحرك الفريق للهجوم أو الدفاع، ونجح هذا الفريق في هزيمة ألمانيا مرتين منهما مرة في برلين ب 5 أهداف نظيفة، كما هزم هولندا والمجر وفرنسا وإيطاليا، وكان نجم الفريق «المهاجم النحيل» ماتياس شيندلار الذي كانت تطلق الصحافة عليه لقب الرجل الورق لأنه كان نحيلاً جداً، لكنه كان بارعاً في الهجوم النمساوي، ولهذا فكر هتلر أنه سوف يعمل على ضم «فريق العجايب» وبالفعل بعد تحول النمسا إلى مقاطعة ضمن مقاطعات «الرايخ الألماني» بدأت آلة الإعلام التابعة لهتلر في الدعوة إلى دمج الفريق النمساوي العبقري مع الفريق الألماني القوي لخلق منتخب يستطيع أن ينافس في كأس العالم في فرنسا، وكانت الخطوة الأولى هي حل اتحاد الكرة النمساوي، وتحويل الأندية النمساوية كأندية ضمن الدوري الألماني، وصدر قرار حازم إلى سيب هيربرجر مدرب المنتخب الألماني بضم أفضل لاعبي المنتخب النمساوي ضمن تشكيلة الفريق الألماني الذي سوف يتوجه إلى فرنسا للمشاركة في كأس العالم الثالثة بحيث يتكون الفريق من 6 لاعبين نمساويين و5 ألمان أو العكس.

المنتخب النمساوي الذي هزم ألمانيا 6-0 في برلين
المنتخب النمساوي الذي هزم ألمانيا 6-0 في برلين

الرقصة الأخيرة

كنوع من الدعاية السياسية أرادت حكومة هتلر أن تقول للعالم إن دمج المنتخبين النمساوي والألماني تعبير عن كون الشعبين شعباً واحداً، وأن هذا الدمج نتيجة طبيعية واستجابة لمطالب الشعب واللاعبين النمساويين قبل أن يكون هدفاً للزعيم النازي، فقاموا بتنظيم مباراة لدمج الفريقين في فيينا يوم 3 إبريل 1938 أطلق عليها «مباراة التآخي» وكانت هناك تعليمات واضحة للاعبين بأن يتفوق المنتخب الألماني على نظيره النمساوي حتى لا يقال إن الدمج كان متعمداً، لكن «الرجل الورق» ماتياس شيندلار أظهر بحركات ساخرة أنه قادر على إحراز أهداف في الشوط الأول من المباراة، لكنه لا يقوم بذلك نظراً لوجود توجيهات بضرورة فوز المنتخب الألماني، لكنه لم يستطع الالتزام بهذا التعهد في الشوط الثاني، وقام بإحراز هدف، وبعد إحراز الهدف سارع إلى المنصة، وعبر عن فرحة غامرة قادت إلى استياء رموز الرايخ النازي من إحرازه الهدف، ولم يكتف ماتياس بذلك، بل سارع بتمرير هدف آخر إلى زميله كارل سيستا لتنتهي المباراة بهدفين نظيفين لصالح النمسا، وحاول مدرب المنتخب الألماني سيب هيرجر إقناع وإغراء ماتياس شيندلار للانضمام إلى المنتخب الألماني مثلما انضم زميلاه هانز بيكر، وفرانز فاجنر، لكن ماتياس شيندلار رفض رفضاً قاطعاً، وقدم بعض المبررات التي لم يتقبلها نظام هتلر منها أنه أصبح كبيراً في السن، وأن عمره بلغ 35 عاماً، وأحياناً أخرى كان يقول إنه مصاب في ركبته، وكان هدفه أن تمر كأس العالم في فرنسا من دون الانضمام إلى الفريق النازي، ووصل رفض ماتياس شيندلار للنظام النازي أنه اشترى مقهى في فيينا رفض أن يعلق فيه الشعارات النازية، وهو ما دفع الحزب النازي إلى اعتباره يتحدى النازية لعدم انضمامه للفريق الألماني الذي فشل فشلاً ذريعاً في كأس العالم في فرنسا 1938، وفي 23 يناير 1939 حدث ما توقعه الكثيرون بالإعلان عن موت ماتياس شيندلار في بيته، وعلى سريره وبجانبه صديقته الإيطالية كاميلا كاستيجنولا.

[email protected]

أنتال زابو حارس مرمى المجر في نهائي عام 1938
أنتال زابو حارس مرمى المجر في نهائي عام 1938

11 يونيو 2026
«أساطيل الظل».. حرب عالمية سياسية واقتصادية في البحار والمحيطات

تلعب «أساطيل الظل» دوراً متنامياً ليس فقط في صياغة المعادلات الاقتصادية والحسابات التجارية، بل باتت رقماً صعباً في صياغة التفاعلات السياسية، والتداخلات الجيوسياسية في ظل الدور الكبير الذي تلعبه في تهريب ملايين الأطنان من السلع والبضائع المحظورة، التي عليها عقوبات من دول أو من الأمم المتحدة.

ولعبت «أساطيل الظل» دوراً غير مسبوق في صمود وبقاء دول كان يمكن أن ينهار اقتصادها، ويسقط نظام حكمها بدون ما تدره «أساطيل الظل» من مليارات الدولارات التي تحافظ على بقاء الأهداف السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية والعسكرية لهذه الدول التي تتعرض لعقوبات اقتصادية مشددة مثل كوبا وإيران وكوريا الشمالية وفنزويلا في عهد هوجو شافيز ونيكولاس مادورو.

التأمين على أساطيل الظل أقل من السفن الجديدة
التأمين على أساطيل الظل أقل من السفن الجديدة
نقل الغاز الروسي في أساطيل الظل بدلاً من أنابيب الغاز التي كانت تتجه لأوروبا
نقل الغاز الروسي في أساطيل الظل بدلاً من أنابيب الغاز التي كانت تتجه لأوروبا

يؤكد توظيف «أساطيل الظل» في الصراعات الدولية أن ساحات الحروب الجديدة لم تعد فقط تقتصر على جبهات القتال، بل تدور رحاها في البحار والمضائق والمحيطات بعد أن أصبحت ما تسمى ب «أساطيل الظل» ساحة حرب حقيقية بين الدول التي تملك وتشغل هذه الأساطيل من جانب، والمجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة والدول الأوروبية التي تفرض عقوبات - بشكل فردي أو جماعي - ضد الدول والشركات التي تدير «أساطيل الظل» في المياه الدولية، وهناك تقديرات بأن الحصار البحري الأمريكي على السواحل الفنزويلية، وتضييق الخناق على «أسطول الظل الفنزويلي» ساهم بقوة في نجاح العملية العسكرية الأمريكية لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في «عملية العزم المطلق» 3 يناير الماضي.

وزاد الاعتماد على «أسطول الظل» منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية في 24 فبراير 2022 حيث تشير التقديرات إلى أن هناك نحو 3400 ناقلة تعمل ضمن «أساطيل الظل أو ما يعرف ب Shadow Fleets»

ويمثل هذا العدد من «أساطيل الظل» نحو 18% من إجمالي الأسطول البحري العالمي الذي يتجاوز 105 آلاف سفينة وناقلة عملاقة تجوب البحار والمحيطات على مدار الساعة، فلماذا يطلق على هذه السفن والناقلات «أساطيل الظل»؟ وكيف يؤثر عمل «أساطيل الظل» في الاقتصاد العالمي؟ وهل تعمل هذه الأساطيل غير القانونية على تمويل الحروب والجماعات الإرهابية؟

سفحن تظهر في أماكن غير ما يظهره الرادار
سفحن تظهر في أماكن غير ما يظهره الرادار

صراع جيوسياسي

لا يمكن النظر إلى «أساطيل الظل» باعتبارها قضية اقتصادية، بل هي جزء رئيسي من «الصراع الجيو- سياسي» بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين من جانب، وروسيا والصين وإيران وفنزويلا من جانب آخر، فالصين ترى في شراء النفط الروسي دعماً سياسياً وعسكرياً لروسيا في مواجهة التنافس الجيوسياسي مع الولايات المتحدة، لأن ضعف روسيا أو سقوطها في معركتها مع الغرب سوف يكون له تأثير سلبي على حسابات بكين مع واشنطن، وبنفس السيناريو تنظر الصين إلى إيران حيث تدعمها بكل ما تملك من وسائل، وظلت تستورد النفط الإيراني رغم كل العقوبات الغربية والأممية المفروضة على النفط الإيراني منذ تظاهرات «الثورة الخضراء» عام 2009، وكان شراء الصين النفط الفنزويلي أكبر داعم لحكومات هوجو شافيز ونيكولاس مادورو طوال أكثر من عقدين، وهو ما ساهم في بقاء وصمود حكومات شافيز ومادورو لسنوات طويلة ما شكل ركيزة لتوسيع النفوذ الصيني بالقرب من «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية والكاريبي، وهناك مجموعة من المشاهد التي ترسم الصورة الكاملة عن «أساطيل الظل»..

وأبرز هذه المشاهد هي:

الأساطيل الشبحية
الأساطيل الشبحية

أولاً: أساطيل شبحية

لم تعد الحروب تدار فقط بالصواريخ البالستية والفرط صوتية والمسيرات الشبحية الجديدة، لكن أيضاً عبر شبكة معقدة من «الشركات الوهمية» التي تعمل كواجهه لحساب الحكومات والدول التي عليها عقوبات أممية أو غربية، وبات يطلق على هذه السفن والناقلات «أساطيل الظل» أو «الأساطيل الشبحية»، نظراً لأن هذه الناقلات العملاقة تقوم بتغيير أسمائها باستمرار، بل وتغير ملكيتها وفق سياسة «الباب الدوار» بين الشركات التي تعمل لصالح هذه الدولة أو تلك، وهذه السياسة تعني أن السفينة الواحدة يمكن أن تغير اسمها مرتين أو ثلاثاً في العام الواحد، كما يمكن أن تنتقل ملكيتها والعلم الذي ترفعه أكثر من مرة سنوياً، وكل ذلك بهدف التضليل والهرب من العقوبات، ودائماً ما تقوم هذه الناقلات بإطفاء «نظام التتبع الآلي» في المياه الدولية، وتخفي وجهتها النهائية، وتقوم بشكل مفاجئ بتغيير مسارها حتى تهرب من الرقابة الدولية، ويراقب الأسطول الأمريكي في الوقت الحالي السواحل الكوبية حتى لا تصل إليها إمدادات روسية أو إيرانية عبر «أسطول الظل» الروسي أو الإيراني، كما أن الدول الأوروبية تتابع الموانئ الروسية في بحر البلطيق والبحر الأسود لمراقبة ومعرفة عدد ناقلات الظل والحمولات التي تحملها والوجهات التي تتجه إليها.

ثانياً: التزييف

استفادت «أساطيل الظل» من التكنولوجيا الحديثة في التهرب من الرقابة الدولية عبر «التزييف الرقمي» حيث تعطي إشارات مزيفة عن موقعها الرئيسي، فإذا كانت تقف في بحر البلطيق أو البحر الأسود بالقرب من الموانئ الروسية يمكنها أن تعطي إشارات مزيفة على الرادار بأنها في البحر المتوسط أو حتى في المحيط الهندي، وغالباً ما تقف هذه الناقلات في المياه الدولية القريبة من المياه الإقليمية لروسيا أو إيران أو فنزويلا، ويتم نقل النفط من السفن الأخرى إليها في حال إدراكها أنها مراقبة أو وجود قطع عسكرية غربية قريبة منها، ويصل «التزييف» إلى إصدار شهادات منشأ مزورة تقول بأن هذا النفط أو البتروكيماويات قادمة من جهة أخرى دون الإشارة إلى روسيا وإيران وفنزويلا، ويتم تسجيل مثل هذه الناقلات في دول لا تتمتع بالصرامة القانونية الكاملة مثل بنما وليبيريا ومنغوليا.

ثالثاً: الحرب الأوكرانية

لعبت ناقلات «أسطول الظل» دوراً كبيراً في نقل النفط والغاز الروسي إلى الأسواق الآسيوية منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية في 24 فبراير 2022 عندما حددت دول الاتحاد الأوروبي 60 دولاراً كحد أقصى للنفط الروسي، وتضم الأساطيل الشبحية الروسية شبكة ضخمة من الناقلات القديمة التي تضم نحو 1400 ناقلة، والتي يتم التأمين عليها بمبالغ أقل مقارنة بالسفن والناقلات الجديدة، وتعمل خارج النظام المالي والبحري الدولي المعترف به، ويعود السبب في أن التأمين عليها يكون بأسعار زهيدة إلى أنها سفن قديمة وانتهت صلاحيتها، كما أنها تعمل وفق مخاطر كبيرة حيث تقوم البحرية الأمريكية بالقبض على مثل هذه السفن كما جرى مع السفن التي حاولت أن تهرب من السواحل الفنزويلية قبل القبض على الرئيس نيكولاس مادورو.

ولهذا تتعرض الكثير من الشركات التي تدير «أساطيل الظل» لعقوبات أمريكية وغربية

سفحن تظهر في أماكن غير ما يظهره الرادار
سفحن تظهر في أماكن غير ما يظهره الرادار

رابعاً: التحدي والاستجابة

شكل اللجوء إلى «أساطيل الظل» نوعاً من الاستجابة للتحدي الذي فرضته سياسة فرض العقوبات الأمريكية والأوروبية على دول مثل روسيا وإيران وفنزويلا، وهو ما ساعد موسكو وطهران وكاراكاس على تخفيف آثار العقوبات على اقتصاداتها، الأمر الذي جعل «الأساطيل الشبحية» بمثابة «اقتصاد موازٍ» للاقتصاد العالمي، ليس فقط لأنها تحمل بضائع غير قانونية وعليها عقوبات، بل لأنها تحمل النفط بأسعار أقل من الأسعار العالمية حيث تقدم روسيا وإيران وفنزويلا حتى عهد مادورو خصماً يصل إلى 30% على النفط والغاز بهدف تشجيع المصافي ومحطات الغاز الآسيوية على الشراء، وقد نجحت هذه السياسة في تجنب الانهيار الكامل لاقتصادات دول مثل روسيا وفنزويلا، فعلى سبيل المثال حققت روسيا معدلات نمو اقتصادي في عام 2025 أعلى من منطقة اليورو، ويعود الفضل في ذلك إلى «أسطول الظل» الروسي الذي نجح في نقل كميات كبيرة من النفط والغاز والفحم الروسي إلى الأسواق الآسيوية عندما أغلقت أوروبا أبوابها أمام مصادر الطاقة الروسية منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية.

ولهذا فإن هدف «أساطيل الظل» في النهاية هو هدف سياسي لكسر الهيمنة الأمريكية، لأن البيت الأبيض يرى في العقوبات الاقتصادية «يده الطولى» في معاقبة وإضعاف المنافسين، والأغلبية العظمى من شركات «التأمين البحري»، ونوادي الحماية والتعويض مقرها في أوروبا والولايات المتحدة، ولهذا فإن «أساطيل الظل» هي رد من الدول المستهدفة عبر خلق منظومة بديلة لا تعتمد على التأمين الغربي والدولار الأمريكي والسفن الغربية، وهو ما يضعف في النهاية من فاعلية العقوبات.

خامساً: خريطة جديدة

خلقت «أساطيل الظل» خريطة جديدة للتجارة العالمية، فحتى نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين كان النفط والغاز يتدفقان من روسيا إلى أوروبا عبر خطوط قصيرة مثل «نورد ستريم 1»، وخط «يامال»، وخط «براتستفو وسويوز» والسيل التركي و«بلو ستريم» وخط «دروجبا»، لكن مع تنامي أساطيل الظل بات يتم نقل النفط والغاز إلى مسافات بعيدة، وفي رحلات طويلة تستغرق أسابيع حتى تصل إلى الهند والصين، ويتم الدفع بالعملات المحلية مثل الروبية واليوان بما يعزز من التبادل التجاري بالعملات الوطنية، ويهدد هيمنة الدولار، ونظراً للمخاطر العالية للمتعاملين مع هذه التجارة باتت هناك طبقة جديدة من هؤلاء التجار المغامرين، بالإضافة إلى الوسطاء والسماسرة الذين يحققون مكاسب خيالية لا يمكن أن تتكرر في أي تجارة أخرى.

سادساً: قنابل موقوتة

تشكل «أساطيل الظل» قنابل بيئية موقوتة لأسباب كثيرة منها أن النفط يتسرب أثناء النقل من سفينة تعمل في المياه الإقليمية إلى الناقلة التي سوف تذهب في رحلات طويلة في المياه الدولية، ونظراً لأن سنوات عمل سفن «أساطيل الظل» تزيد على 25 عاماً فهي قابلة لتسريب النفط أكثر بكثير من السفن الجديدة التي لا تزيد سنوات خدمتها على 10 سنوات، وعندما يحدث كسر أو اصطدام من سفن «أساطيل الظل» لا تجد الدولة المتضررة جهة تطالبها بالتعويض، لأن مثل هذه الناقلات يكون عليها تأمين محلي غير معترف به دولياً، وقد تختفي الشركة المشغلة لناقلة الظل حال كسرها أو اصطدامها أو حدوث تسرب نفطي منها، كما تهدد «أساطيل الظل» حركة الملاحة في الممرات البحرية لأن كسرها أو حتى جنوحها يعطل الملاحة في الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي.

أساطيل الظل
أساطيل الظل

سابعاً: القط والفأر

بينما تحاول الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة اصطياد السفن التي تعمل ضمن «أساطيل الظل»، تعمل الدول التي تشغل هذه الأساطيل غير القانونية على ابتكار أدوات جديدة للتهرب من العقوبات، وقد بدأت بالفعل الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون - عبر وزارة الخزانة الأمريكية - فرض عقوبات محددة على ناقلات «أساطيل الظل» بإصدار «قوائم سوداء» بأسماء وأرقام وأوصاف هذه الناقلات، وممارسة ضغوط سياسية على «دول العلم»، وهي الدول التي تسمح بتسجيل هذه السفن على أراضيها ورفع أعلامها مثل بنما والجابون، وغالباً عندما تعلن الولايات المتحدة عن قائمة سوداء تختفي هذه السفن من هذه القائمة لتظهر بعد ذلك في دولة أخرى، ونظراً للأرباح الخيالية التي يحققها من يعملون في مجال «أساطيل الظل» فإن العاملين عليها وفيها يبذلون كل ما في وسعهم من أجل الحفاظ على هذا المجال والتوسع فيه، وهو ما يقول إننا أمام صراع إرادات بين الولايات المتحدة والدول الغربية التي تفرض العقوبات، وروسيا وإيران والصين التي تسعى للالتفاف والتهرب من هذه العقوبات، فبينما يكافح العالم من أجل وضع القوانين التي تحافظ على الشفافية والأمان في المجال البحري تأتي «أساطيل الظل» لتخرق تلك القوانين في عرض البحر.

المؤكد أن «أساطيل الظل» ليست حالة طارئة تتعلق بأزمة مثل الحرب في أوكرانيا وينتهي الأمر، بل إن كل المؤشرات تقول إنها باتت جزءاً رئيسياً من لعبة كبيرة يجري توظيفها في إطار السعي نحو تغيير التوازنات القائمة والصراعات الجيوسياسية بين القوى الكبرى.

[email protected]

نظام تجاري مواز لناقلات الظل
نظام تجاري مواز لناقلات الظل

3 يونيو 2026
الفضائيون.. هل تحتجزهم الولايات المتحدة؟

لم يتوقف الجدل في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أن قال الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في أحد حلقات البودكاست إن «الفضائيين موجودون وحقيقيون»، وهو ما دفع الرئيس دونالد ترامب إلى الدخول على الخط بتأكيده أنه سوف يرفع الستار والسرية عن الوثائق التي تكشف معلومات الإدارات الأمريكية السابقة عن الكائنات الفضائية وظاهرة الأطباق الفضائية على غرار الوثائق التي رفع عنها السرية مثل ملفات إبستين وقبلها ملفات اغتيال الرئيس الأسبق جون كينيدي.

الرئيس الأسبق أوباما
الرئيس الأسبق أوباما
ترامب
ترامب

رغم تشكيك رجل الأعمال إيلون ماسك - الذي له باع طويل في العمل الفضائي، وصاحب شركة إسبيس إكس للأقمار الفضائية - في وصول الفضائيين إلى الأرض، إلا أن اختفاء اللواء المتقاعد وليام نيل من منزله في ولايه نيومكسيكو، وهو المعروف بارتباطه بالمجتمع المهتم بقضية «الأجسام الطائرة» زاد من حدة النقاش الأمريكي بين من يطالب الرئيس ترامب والكونغرس بالكشف عن الوثائق السرية للفضائيين، وبين من يدعو الرئيس السابق باراك أوباما لمصارحة ومكاشفة الشعب الأمريكي عما جرى للفضائيين في عهده، خصوصاً في ظل حديث «المؤمنين بنظرية المؤامرة» بأنه جرى «احتجاز عدد كبير من الفضائيين» في إحدى القواعد العسكرية السرية للجيش الأمريكي في عهد أوباما، وهو ما يقول إن قضية الفضائيين انتقلت من السياق العلمي إلى السجال السياسي حيث يتهم غالبية الجمهوريين الرئيسين بارك أوباما وجو بايدن بإخفاء الكثير من الحقائق والأسرار عن الشعب الأمريكي، فهل بالفعل هناك شعوب وحضارات أخرى تعيش في كواكب بعيدة يزورون الأرض بين الحين والآخر؟ وماذا عن «القاعدة 51» في غرب الولايات المتحدة بولاية نيفادا؟ وهل جرى فيها بالفعل احتجاز وحبس الفضائيين للتحقيق معهم والحصول منهم على معلومات عن مجتمعاتهم وحضارتهم؟ ومن يمكن له أن يتحدث باسم «الأرض» أو يمثل البشرية في حال إجراء حوار بين سكان الأرض والفضائيين؟

إيلون ماسك
إيلون ماسك
وليم نيل
وليم نيل

يعيش العالم طوال 8 عقود كاملة حالة من عدم اليقين حول وجود أو عدم وجود الفضائيين، وظهر أول اهتمام بغزو الفضائيين للأرض في يوليو عام 1947 عندما تحدث مزارع يدعى وليام برازيل بأنه حصل على حطام لمركبة فضائية في مزرعته بالقرب من منطقة «روزويل»، وما أكد حديث وليام برازيل أن الجيش الأمريكي أصدر في 8 يوليو من العام نفسه بياناً أقر فيه بالاستيلاء على «طبق فضائي»، لكن الجيش الأمريكي عاد وتراجع عن البيان بعد ذلك، وقال إن ما تم العثور عليه ما هو إلا «بالون طقس» يحمل راداراً عاكساً، وعرض صوراً لبقايا ورق قصدير ومطاط لإثبات ذلك، لكن رواية الجيش الأمريكي الأخيرة زادت من الجدل بأن البيت الأبيض يخفي الحقائق عن الشعب الأمريكي، وعادت القضية للظهور في أواخر السبعينيات عندما بدأ باحثون مثل ستانتون فريدمان في إجراء مقابلات مع شهود عيان، وضباط متقاعدين، مثل «جيسي مارسيل» الذي كان أول ضابط عسكري في موقع الحطام، وكشف هؤلاء الشهود أن الحطام كان مصنوعاً من مواد ذات خصائص فيزيائية مستحيلة «لا تحترق ولا تنثني» وأنهم رأوا كائنات فضائية صغيرة في الموقع جرى نقلها لاحقاً إلى قواعد سرية مثل «القاعدة 51»، وكشفت القوات الجوية الأمريكية في عام 1994 أن الحطام كان جزءاً من «مشروع موجول»، وهو مشروع بدأ العمل فيه أثناء الحرب الباردة، وجرى فيه استخدم بالونات تجسس عالية الارتفاع مزودة بميكروفونات لرصد الموجات الصوتية الناتجة عن الاختبارات النووية السوفيتية، وفي ما يتعلق بالعثور على «جثث»، فقد أوضحت الحكومة في تقرير عام 1997 أنها كانت مجرد «دمى اختبار» بشرية Anthropomorphic dummies.

تدرس إدارة الرئيس ترامب رفع السرية عن آلاف الوثائق التي تتعلق بالفضائيين، فمنذ عام 1947 هناك حديث أمريكي عن كائنات تعيش على كواكب أخرى، وأننا لسنا وحدنا على الأرض، كما أن الكونغرس الأمريكي خصص أكثر من جلسة استماع للوقوف على حقيقة وجود الفضائيين واحتمالية غزوهم للأرض، ويدور الجدل حول 4 مسارات رئيسية وهي:

أولاً: القاعدة 51

وصلت نظرية المؤامرة في قضية الفضائيين الى مستويات غير مسبوقة، وهناك يقين لدى شريحة واسعة من الأمريكيين بأن البيت الأبيض يتستر على عدد كبير من الفضائيين الذين جرى اعتقالهم في القاعدة العسكرية المعروفة باسم «القاعدة 51»، ويطلق عليها الأمريكيون «قاعدة الفضائيين، بينما تطلق عليها الحكومة الأمريكية» ميدان نيفادا للاختبار والتدريب Nevada Test and Training Range.

وتعود شكوك الأمريكيين حول استضافة هذه القاعدة للفضائيين إلى إنكار الحكومات والإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عام 1947 وجود هذه القاعدة، ثم اعترف الرئيس أوباما رسمياً بوجود هذه القاعدة عام 2013، وهي قاعدة لا تزال محاطة بالسرية، ومحظور الوصول إليها أو التصوير بالقرب منها، ومحاطة بحراسة مشددة وأجهزة مراقبة متطورة، ويحظر التحليق فوق أجوائها، ويعود سبب ارتباطها بالفضائيين إلى عام 1989 عندما ادعى رجل يدعى «بوب لازار» في برنامج تلفزيون أنه عمل بالفعل في هذه القاعدة، وأنه شاهد الكائنات الفضائية محتجزة في تلك القاعدة، وأن الحكومة الأمريكية تريد صناعة مركبات فضائية تشبه المركبات التي جاء بها الفضائيون إلى الأرض عبر «الهندسة العكسية» لتصنيع مركبة فضائية يطلق عليها «إس فور»، ومنذ ذلك الوقت زاد عدد المؤمنين باحتجاز الحكومة الأمريكية للفضائيين في تلك القاعدة حيث يروج البعض أن هذه القاعدة بها بالفعل حالياً حطام أجسام، وكائنات فضائية مجهولة، وتقع «القاعدة 51» في غرب الولايات المتحدة في ولاية نيفادا، وتبعد 135 كلم عن مدينة لاس فيجاس الشهيرة، ويطلق عليها «مطار هومي» أو «بحيرة جروم»

القاعدة في نيفادا
القاعدة في نيفادا

وتقول الحكومة الأمريكية إن الغرض الأساسي للقاعدة هو تطوير واختبار طائرات التجسس والتكنولوجيا العسكرية، وتحاط القاعدة بأجهزة استشعار للحركة وكاميرات متطورة، ويقوم حراس مسلحون بدوريات مستمرة، مع لافتات تحذر من «استخدام القوة المميتة» ضد من يقترب من القاعدة، ورغم اعتراف الحكومة بوجود القاعدة عام 2013 إلا أن الأنشطة الحالية داخلها تظل مصنفة «سرية للغاية»، وهو ما يبقي الباب مفتوحاً للتكهنات المستمرة حول ماهية الأسرار التي تجري خلف أسوارها.

ثانياً: حقائق أوباما

أكثر من مرة يؤكد الرئيس أوباما أن الفضائيين «حقيقيون» لكنه لم يراهم، وزاد أوباما من حالة الغموض حول سجن أو احتجاز عناصر فضائية في عهده عندما قال إن أول سؤال تمنى معرفة إجابته بعد دخوله البيت الأبيض في 20 يناير 2009 هو أين يتم احتجاز الكائنات الفضائية؟ وكل هذا أثار فضول قطاعات كبيرة من الجماهير ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في العالم كله، وحتى عندما حاول أوباما توضيح الأمر بعد ذلك فما كان التوضيح إلا تأكيداً جديداً على وجود الفضائيين من وجهة نظر البعض، فعندما قال أوباما إن الكون واسع جداً، وفيه آلاف وملايين المجرات الفضائية، وإن المسافة بين الأنظمة الشمسية واسعة وبعيدة جداً، وهو ما يؤكد وجود الكائنات الفضائية، والأكثر من كل ذلك أن أوباما اعترف بوجود لقطات وتسجيلات لأجسام فضائية، لكن الخلاصات التي كانت لديه، ولدى الحكومة الأمريكية حتى خروجه من البيت الأبيض في 20 يناير 2017 هو عدم معرفة طبيعة ما هو موجود في هذه التسجيلات، وأن الحكومة الأمريكية وأجهزة مخابراتها المختلفة لم تستطع تفسير كيفية تحرك هذه الأجسام خصوصاً أنه لم يكن لها نمط واضح يمكن تفسيره أو البناء عليه، لكن في نهاية المطاف أصدر أوباما بياناً قال فيه إنه لم يشاهد الفضائيين أو يتحدث اليهم، وإنه لم ير دليلاً واحداً على زيارة الفضائيين إلى الأرض، لكن فقط من الناحية الإحصائية التي تقول باتساع الكون فإن فرضية وجود فضائيين وكائنات تعيش في أماكن بعيده احتمال إحصائي قائم، وفق بيان الرئيس أوباما.

أول حديث عن الأطباق الفضائية في 8 يوليو 1947
أول حديث عن الأطباق الفضائية في 8 يوليو 1947

ثالثاً: كشف الأسرار

نظراً للاهتمام الكبير بقضية الفضائيين في الولايات المتحدة، ونظراً لأن أوباما هو «الغريم السياسي» للرئيس ترامب قرر سيد البيت الأبيض أن يكشف كل الأوراق والأسرار التي لدى الدولة الأمريكية عندما قال: «سأطلب من وزير الحرب والوزارات والوكالات الأخرى ذات الصلة بدء عملية تحديد ونشر الملفات الحكومية المتعلقة بالحياة خارج الأرض، والظواهر الجوية غير المحددة، والصحون الطائرة»، ورغم شجاعة وجرأة الخطوة التي يفكر فيها الرئيس ترامب، ومدى الجدل الذي يمكن أن يترتب عليها إلا أن الكثيرين أكدوا أن الأسرار التي تقف وراء قضية الكائنات الفضائية لا يمكن للحكومة الأمريكية أن تكشف عنها كلها، وأن الوثائق التي سوف يتم الكشف عنها سوف تكون «انتقائية» وستتم مراجعتها حتى لا تكشف أي أسرار جديدة على غرار «النشر الانتقائي» لملفات إبستين، واغتيال الرئيس جون كينيدي.

لكن ترامب يريد من نشر وثائق الفضائيين تحقيق مجموعة من الأهداف، وهي الاستجابة لرغبة المواطن الأمريكي لمعرفة الأسرار حول الكائنات الفضائية وعلاقتها بالأرض، وبالفعل أكد ترامب أنه وجد بالفعل «وثائق شديدة الأهمية، والهدف من ذلك تقديم نفسه بالرئيس» الشفاف «الذي لا يخفي شيئاً عن الأمريكيين في مواجهة أوباما والديمقراطيين المتهمين بالتغطية على ما يجري في «القاعدة 51» وغيرها من المناطق التي تدور حولها الشكوك والقصص الخيالية، وقدم ترامب وعداً واضحاً بأنه سوف يكشف أسرار الفضائيين، وكل ما يتعلق بهم قريباً جداً.

الغريب أنه بعد حديث ترامب عن استعداده لرفع السرية عن الوثائق التي لدى الحكومة الأمريكية عن الفضائيين هناك من يقول إن «الدولة العميقة» لا يمكن أن تسمح بنشر الحقيقة عن الفضائيين كما لم تسمح من قبل بنشر كل شيء في ملفات أخرى شائكة، وإن سعى ترامب لنشر بعض الوثائق يأتي في إطار الاستقطاب السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين عندما اتهم ترامب أوباما بإفشاء سر من أسرار البلاد، وعلى الجانب الآخر أكد رجل الأعمال وعملاق الأقمار الصناعية إيلون ماسك أنه والذين يعملون معه لم يروا من قبل أي دليل على وجود الفضائيين أو زيارتهم إلى الأرض، لكنه طرح سؤالاً ساخراً عن الطرف الذي يمكن أن يتحدث باسم الأرض مع الفضائيين حال زيارتهم أو تفاوضهم مع سكان الأرض.

الفضائيون كما يتخيلهم البشر
الفضائيون كما يتخيلهم البشر
تحذير من الاقتراب من القاعدة 51
تحذير من الاقتراب من القاعدة 51

رابعاً: اختفاء وليم نيل

على مدار عقود ارتبط اسم اللواء وليم نيل مكاسلاند بقضية الفضائيين، واختفى مكاسلاند من منزله في مدينة ألبوكيركي بولاية نيو مكسيكو في الساعة 11 صباحاً يوم 27 فبراير هذا العام، وتسبب غيابه في قلق شديد بين من يراهنون عليه لكشف أسرار الفضائيين في قاعدة أخرى هي قاعدة «رايت باترسون» حيث قاد مكاسلاند سابقاً مختبر أبحاث القوات الجوية في قاعدة «رايت باترسون»، وهي القاعدة التي تشتهر بكونها المستودع المزعوم لحطام مركبات فضائية مثل حادثة روزويل، ويوصف مكاسلاند بأنه يعرف «أكثر أسرار الولايات المتحدة حساسية» في ما يتعلق بالتكنولوجيا الفضائية والأسلحة السرية، خصوصاً أن الاختفاء جاء بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس ترامب عن نيته رفع السرية عن ملفات الكائنات الفضائية، ما أثار تكهنات حول ما إذا كان اختفاؤه مرتبطاً بمحاولة لمنع تسريب هذه المعلومات.

سيناريوهات

في ظل عدم الحسم بين وجود أو عدم وجود الفضائيين يمكن رسم عدد من السيناريوهات حول وجود أو عدم وجود الكائنات الفضائية، وهذه السيناريوهات هي:

الأول: «وجود الكائنات الفضائية»، ويمكن أن يأخذ 3 أشكال هي:

1 - حديقة الحيوان

ويفترض أن الفضائيين موجودون ويراقبوننا من بعيد كما يراقب الإنسان الحيوانات البرية في المحميات الطبيعية، لكنهم يرفضون التعاون معنا حتى لا نأخذ منهم أسرار التقدم العلمي والتقني الكبير الذي وصلوا إليه.

2 - الغابة المظلمة

ويفترض أن هناك حضارات كثيرة في الكون، لكن كل حضارة تخشى أن تظهر نفسها للأخرى حتى لا تتعرض للغزو أو التدمير.

3 - المتصفح الرقمي

ويقول إن الحضارات المتقدمة قد تكون تحولت بالكامل إلى كائنات رقمية تعيش داخل محاكاة حاسوبية عملاقة، ولا تهتم باكتشاف الفضاء الفيزيائي أو التواصل مع حضارات «بدائية» كالبشر.

ممنوع الاقتراب من قاعدة 51
ممنوع الاقتراب من قاعدة 51

السيناريو الثاني: «عدم الوجود»، ويقول إننا نعيش وحدنا على الأقل في مجرتنا «سكة التبانة» نتيجة لمجموعة من المشاهد هي:

1 - الأرض النادرة

ويقوم على أن الظروف التي سمحت بتكوين الأرض بما فيها من أكسجين وماء وغيرها من مكونات الحياة غير موجودة في أي كوكب آخر.

2 - التواصل القادم

ويفترض أنه بعد الدخول في عصر الذكاء الصناعي فإن مساحات وقدرات التواصل مع الكائنات الأخرى في المستقبل سوف تزيد بقوة، وأن التواصل المستقبلي لن يكون مع كائنات بشرية بل مع «مسبارات ذاتية التشغيل» تعمل بالذكاء الاصطناعي أرسلتها حضارات أخرى لمسح الكون والتعرف إلينا.

الواضح أن هذه القضية انتقلت من مجال الفضاء  إلى الاستقطاب السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين في ظل الاقتراب من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر القادم.

[email protected]

26 مايو 2026
كيف يمكن حماية «الممرات المائية» من القرصنة والحصار ؟

ترتبط حياة ورفاهية المليارات من البشر حول العالم بسهولة وانسيابية وحرية الملاحة في الممرات والمضايق البحرية التي تمر عبرها نحو 80% من التجارة العالمية التي وصلت عام 2025 إلى 35 تريليون دولار، وهو ما يجعل هذه المضايق بمثابة «الشرايين الحيوية» التي تمد الجسد العالمي بمقومات الحياة، وينظر إليها باعتبارها «الصمامات الآمنة» لتدفق السلع والبضائع والخدمات حول أرجاء المسكونة، وهو ما يكشف الدور الحيوي والجيو-اقتصادي للمضايق البحرية، ومن أبرز تلك المضايق والممرات البحرية مضايق: ملقا، وهرمز، وباب المندب، وجبل طارق والدردنيل والبوسفور وماجلان وبيرنج وفلوريدا.

مضيق هرمز
مضيق هرمز

رسمت القوانين والاتفاقيات الدولية «خطوطاً فاصلة» بين حقوق وواجبات الدول المتشاطئة للمضايق البحرية، كما أن المعاهدات الدولية منذ القرن الماضي وضعت «خطوطاً حمراء» لأي محاولة من جانب أي دولة لعرقلة الملاحة أو التأثير السلبي على سلاسل الإمداد عبر التأكيد على الفوارق الواضحة، والتي لا تحتمل أي تأويل -بين «المرور العابر والحر» وبين ما يسمى «بالمرور البريء» عبر تحديد المسافات الدقيقة بين المياه الإقليمية «البحر الإقليمي»، والمياه الدولية، فما هي الأدوات التي يملكها العالم لضمان حرية الملاحة دون أي تهديد أو ابتزاز؟ وكيف رسخت المعاهدات الدولية لحق «المرور العابر» في المياه الدولية؟ وما هي أبرز المضايق المائية العالمية؟ وإلى أي مدى يشكل طلب رسوم أو إغلاق المضايق جريمة بحق العالم أجمع وليس فقط بحق دول وشعوب الجوار؟

الزوارق الإيرانية تهدد الملاحة في مضيق هرمز
الزوارق الإيرانية تهدد الملاحة في مضيق هرمز
مضيق ملقا
مضيق ملقا
جبل طارق
جبل طارق

مكانة راسخة

منذ العصور القديمة كانت المضايق البحرية محور للصراعات والتحالفات الإقليمية والدولية، لأن من يسيطر على المضايق يستطيع توجيه مسار التفاعلات السياسية الدولية، وتكتسب المضايق البحرية أهميتها من «الجغرافيا السياسية»، لأن الجغرافيا ثابته بينما الاقتصاد والمواقف السياسية حولها تتغير، ولهذا يصف البعض المضايق بـ«نقاط الخنق» التي تتحول إلى أزمة في الاقتصاد العالمي حال إغلاق أي من هذه المضايق كما يجري الآن في مضيق هرمز، وأبرز المضايق العالمية ما يلي:

1 - مضيق ملقا

هو أكثر المضايق البحرية ازدحاماً بالسفن التجارية حيث تمر به نحو 80 ألف سفينة عملاقة سنوياً تشكل نحو 30% من التجارة العالمية، وهو البوابة الرئيسية لنقل البضائع الآسيوية من الصين واليابان وكوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا، لأنه يربط بين المحيطين الهادئ والهندي، وتشرف عليه إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، ويطلق عليه «معضلة ملقا» حيث تخشى الصين أن يقوم الجيش الأمريكي بإغلاقة حال نشوب صراع حول تايوان.

2 - مضيق هرمز

ويربط بين الخليج العربي وبحر العرب المرتبط بالمحيط الهندي، وتمر من خلاله نحو 110 سفن تجارية يومية تحمل نحو 20% من النفط المنقول بحراً، ونحو ثلث الغاز الطبيعي، وكميات كبيرة من مكونات الأسمدة الرئيسية، ولهذا أدى الإغلاق الإيراني للمضيق إلى رفع أسعار النفط والغاز والشحن والتأمين عالمياً، وعندما تقلصت كميات اليوريا والكبريت التي كانت تمر عبر مضيق هرمز أدى ذلك لرفع أسعار الغذاء عالمياً بنسبة تصل إلى 20%، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة العالمية «الفاو»، لكن أكثر ما يدعم العالم للتكتل والوقوف صفاً واحداً من أجل فتح مضيق هرمز أن هناك نحو 1500 سفينة محتجزة داخل الخليج العربي عليها نحو 40 ألف بحّار منهم نحو 20 ألف بحّار هندي لا يستطيعون المغادرة، كما أن الاقتصاديات الآسيوية الكبيرة التي تعتمد على النفط الخليجي مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تأثرت بشدة، ويمكن أن تقود إطالة زمن إغلاق مضيق هرمز إلى تباطؤ في الاقتصاد العالمي أو ركود اقتصادي في نهاية المطاف.

3 - مضيق باب المندب

ويربط بين آسيا وإفريقيا حيث تشرف عليه اليمن من الجانب الآسيوي، وإريتريا وجيبوتي من الجانب الإفريقي، ويربط بحر العرب وخليج عدن بالبحر الأحمر الذي ينتهي شمالاً بقناة السويس التي تربط بدورها البحر الأحمر بالبحر المتوسط، ويمر فيه نحو 13% من التجارة الدولية.

4 - الدردنيل والبوسفور

ويطلق عليهما «الممرات التركية»، نظراً لأنهما يفصلان بين الشطرين الآسيوي والأوربي من تركيا، ويصلان البحر الأسود بالبحر المتوسط، ولهما جزء رئيسي من تجارة الدول المطلة على البحر الأسود وهي تركيا وبلغاريا ورومانيا وجورجيا وأوكرانيا وروسيا، والتي تمر عبر مضيقي الدردنيل والبوسفور، ويربط بحر مرمرة بين مضيقي البوسفور والدردنيل حيث يقع البوسفور إلى الشمال، وتمر خلاله سنويا نحو 40 ألف سفينة تنقل الحبوب والمعادن والأسمدة من 6 دول تطل على البحر الأسود إلى العالم، وتسببت الرغبة في السيطرة على البوسفور في اندلاع معارك كبيرة منها معارك القرم وجاليبولي في الحرب العالمية الأولى، كما يتصارع حلف دول شمال الأطلسي «الناتو» وروسيا على بقاء نفوذهما بالقرب من البوسفور حيث رفضت روسيا انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى حلف «الناتو»، ولهذا بالقرب من البوسفور 3 دول في «الناتو» هي تركيا وبلغاريا ورومانيا، وثلاث دول خارج «الناتو» هي روسيا وجورجيا وأوكرانيا، بينما يقع الدردنيل في الجنوب الغربي ويفصل بين شبه جزيرة جاليبولي الأوروبية وبحر إيجة الآسيوي بطول 61 كم، وتمنح اتفاقية مونترو عام 1936 تركيا السيطرة الكاملة على مضيقي الدردنيل والبوسفور.

5 - مضيق جبل طارق

وهو يفصل بين عالمين، أوروبا شمالاً، وإفريقيا جنوباً، ويصل البحر المتوسط شرقاً بالمحيط الأطلسي غرباً، وتطل إسبانيا ومستعمرة جبل طارق التابعة للتاج البريطاني على مضيق جبل طارق من الشمال، والمملكة المغربية من الجنوب، وهو من أفضل المضايق العالمية نظراً لعمق المياه الذي يصل  لنحو 900 متر بما يسمح لجميع أنواع السفن التجارية أو العسكرية بالمرور فيه دون مسارات محددة كما هو الحال في المضايق البحرية الضيقة الأخرى، ويمر نحو 300 سفينة يومياً ونحو 100 ألف سفينة سنوياً من مضيق جبل طارق، وهو بذلك ينقل نحو 20% من التجارة الدولية.

المرور العابر والمرور البريء

حددت النسخة الثالثة من اتفاقية الأمم المتحدة لأعالي البحار عام 1982، والتي يطلق عليها «نسخة جاميكا» الفروق الواضحة بين «المرور العابر» و«المرور البريء»، لكن قبل عام 1982 كان هناك اتفاقيات ومعاهدات ثنائية ومتعددة الأطراف حددت بوضوح طبيعة «المرور العابر» و«المرور البريء» مثل اتفاقية 1856 والتي أكدت على حرية الملاحة في المضايق الدنماركية، ومعاهدة ليميتس بين تشيلي والأرجنتين 1881 بشأن حرية الملاحة في (مضيق ماجلان).

أولاً: المرور البريء

قبل معاهدة الأمم المتحدة لأعالي البحار عام 1982، والتي تنظم طبيعة «المرور البريء» في المياه الإقليمية أو البحر الإقليمي «كان هناك معاهدة جنيف للبحر الإقليمي والمناطق المتاخمة له عام 1958، والتي تنظم «المرور البريء»، لكنها لم تتطرق إلى «العبور العابر»، ووفق بنود ومواد «المرور البريء» في مختلف المعاهدات الدولية، والذي يطبق فقط في المضايق والممرات الصناعية أو داخل المياه الإقليمية للدولة.

ومن حق كل دولة أن تطبق «المرور البريء» في المياه الإقليمية فقط، وليس في المياه الدولية، وفي البحار المفتوحة والخليج الواسع مثل البحر الأحمر أو المتوسط تكون المياه الإقليمية للدولة بمساحة 12 ميلاً بحرياً فقط، بعد ذلك تبدأ المياه الاقتصادية، والمياه الدولية، وتبدأ المشكلة عندما تحاول الدول التي تطل على الممرات الدولية مثل مضيق هرمز تطبيق «المرور البريء» بغرض فرض قيود على مرور السفن والطائرات في تلك المناطق، مثلما تسعى إيران بدون وجه حق إلى فرض رسوم مالية على كل سفينة تمر في المضيق، وهنا لا يمكن تطبيق قاعدة 12 ميلاً بحرياً «البحر الإقليمي» على المضايق البحرية، ولهذا لا يطبق حق «المرور البريء» إلا في الممرات البحرية الصناعية التي أنشأها البشر مثل قناة السويس أو قناة بنما، وتكون داخل الدولة الواحدة، وبالنسبة للدول مثل بنما ومصر هما فقط من يحق لهما تطبيق «المرور البريء» في فرض الرسوم أو تقييد حركة السفن والطائرات التي تمر في بنما وقناة السويس، حيث يتوجب أن تكون السفينة في حالة عبور سريع ومتواصل، كما يجب على الغواصات الإبحار فوق سطح الماء، وترفع علمها، ولا يسمح للطائرات بالتحليق فوق الممرات البحرية الصناعية دون إذن مسبق، ويحق للدولة الساحلية تعليق هذا المرور مؤقتاً إذا كان ذلك ضرورياً لحماية أمنها بشرط الإعلان عن ذلك مسبقاً، ووفق هذا المفهوم لا يحق لإيران تطبيق «المرور البريء» على مضيق هرمز، لأن مضيق هرمز مضيق دولي، فإذا كانت إيران تقع على الجزء الشمالي من المضيق فإن سلطنة عمان والإمارات تقعان على الجانب الجنوبي من المضيق أيضاً، ولهذا هو ممر دولي، وليس ممراً صناعياً أو ممراً داخلياً داخل الأراضي الإيرانية، ولهذا لا يحق لإيران إغلاق المضيق أو فرض رسوم أو وضع بروتوكول خاص بها لتيسير العمل في المضيق، لأن إيران نفسها وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة لأعالي البحار عام 1982، وهي الاتفاقية التي دخلت حيز التنفيذ 1994.

ثانياً: المرور العابر

ماجلان
ماجلان

يطبق «المرور العابر» في المضايق الدولية التي تربط بين جزء من أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة للدول المتشاطئة، التي تمتد في بعض البحار والمحيطات العريضة إلى نحو 400 ميل بحري كما هو الحال في مضايق هرمز، وملقا، وجبل طارق، وباب المندب، وهو «حق موسع» ويسمح بالمرور ليس فقط للسفن، بل للطائرات دون معوقات، ما دامت تلتزم بالسرعة وعدم التهديد بالقوة، ويسمح فيه للغواصات بالعبور وهي مغمورة تحت الماء بوضعها العملياتي المعتاد، ويشمل هذا الحق التحليق الجوي للطائرات العسكرية والمدنية فوق المضيق دون الحاجة لاستئذان الدولة المتشاطئة. 4 محاور للحماية

يحتاج الحفاظ على حرية الملاحة تطبيق استراتيجية دولية تجمع بين الضغط الدبلوماسي، والعقوبات الاقتصادية والردع العسكري، والتي يمكن أن تأخد 4 مسارات رئيسية وهي:

أولاً: الردع العسكري

حال عدم الالتزام بحرية الملاحة يتوجب على المجتمع الدولي الحفاظ على حرية الملاحة من خلال تشكيل تحالفات عسكرية دولية لحماية حرية الملاحة كما يفعل الأسطول الأمريكي في مضيق، فورموزا، الذي يربط بين البر الصيني وجزيرة تايوان، وسبق للولايات المتحدة أن شكلت القوة البحرية المشتركة اللازمة لحماية الملاحة في الشرق الأوسط والمحيط الهندي منذ عام 2002، التي عملت على حرية الملاحة في مضيق هرمز منذ 24 عاماً، ومثل تحالف «قوة الازدهار» الذي جري تشكيلة عام 2023 لحماية الملاحة في البحر الأحمر، وكذلك قوة «أسبيدس الأوروبية» التي تشكلت في 19 فبراير 2024 لحماية الملاحة في خليج عدن والبحر الأحمر وباب المندب.

ثانياً: مرافقة الناقلات

وهو سيناريو تكرر أثناء الحرب العراقية الإيرانية عندما استهدفت إيران بشكل مكثف السفن التجارية المتوجهة إلى الموانئ الخليجية بداية من عام 1984، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى مرافقة وحماية السفن التجارية في الخليج العربي، ونظراً لمرور نحو 120 سفينة تجارية في مضيق هرمز يومياً في الوقت الحالي تحتاج الولايات المتحدة إلى دعم من شركائها الأوروبيين وفي «حلف الناتو» .

ثالثاً: عدم الرضوخ للابتزاز

أفضل وسيلة للحفاظ على حرية الملاحة بشكل مستدام في المضايق المائية هو عدم الرضوخ للتهديدات أو الابتزاز بدفع الرسوم وهي مليونا دولار على كل سفينة، كما يسعى الحرس الثوري الإيراني، لأن نجاح الابتزاز في مضيق هرمز سوف يشجع أطرافاً أخرى على فرض رسوم في مضايق وممرات دولية أخرى، وهذا الأمر يمكن أن يؤدي الى انهيار التجارة الدولية، وعودة الكساد.

رابعاً: البدائل

أفضل وسيلة لمنع تكرار إغلاق مضيق هرمز أو غيره من المضايق هو تفريغ المضيق من مضمونة عبر توفير طرق وبدائل برية وسكك حديدية وبحرية كما فعلت السعودية في بناء خط لنقل النفط من شرق السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر والذي يطلق عليه خط «شرق- غرب»، وبناء دولة الإمارات لخط «حبشان- الفجيرة» لنقل النفط إلى بحر العرب مباشرة، ويمكن بناء خطوط مماثلة تربط الدول الخليجية مع موانئ سلطنة عمان خارج المضيق في اتجاه المحيط الهندي، وهو ما يجعل الضغط على الاقتصاد العالمي عبر إغلاق المضيق أمراً غير قابل للتكرار.

التاريخ يعلمنا أن خطورة أي سلاح تكمن فقط في استخدامة في المرة الأولى، وبعد ذلك لا يعد هذا السلاح فعالاً، وما قامت به إيران من تسليح الملاحة في مضيق هرمز لن يكون له أي جدوى في المستقبل، لأن الجميع بدأ بالفعل في العمل على بدائل لمضيق هرمز.

[email protected]

14 مايو 2026
«الخمينية» و«الإخوان».. منبع التطرف والإرهاب

على الرغم من الخلاف الأيديولوجي الظاهري بين التنظيم الدولي «للإخوان» ونظام ولاية الفقيه، إلا أن الواقع يكشف عن تعاون كامل، بين «الإخوان»، وأتباع الخميني منذ أكثر من 9 عقود، عندما جاء الخميني إلى القاهرة ليلتقي مؤسس «الإخوان» حسن البنا، حيث نقل الخميني كل تكتيكات «الإخوان»، وأسس اللقاء لكل أشكال التعاون بين تنظيمات «الإسلام السياسي»، وكانت العلاقة بين «الإخوان» وأتباع الخميني في الفترة من 1939 وحتى 1979 بمثابة «الرافعة القوية» لتأسيس نظام الخميني في باريس، قبل أن ينتقل إلى إيران - حيث قام علي خامنئي بترجمة كتب سيد قطب التي تدعو إلى العنف والقتل، ومنها كتاب «المستقبل لهذا الدين» عام 1966، لكن بعنوان آخر «بيان ضد الحضارة الغربية»، وأضاف له مقدمه أشاد فيها بكتابات سيد قطب، ووصف مادة هذه الكتاب بأنها «مادة ثورية» تسهم في تأجيج الثورات ضد الحكومات في العالمين، العربي والإسلامي.

القيادي الحمساوي خالد مشعل مع المرشد علي خامنئي
القيادي الحمساوي خالد مشعل مع المرشد علي خامنئي

نقل علي خامنئي - الذي اغتالته إسرائيل يوم 28 فبراير الماضي - إلى اللغة الفارسية بعض أجزاء كتاب سيد قطب «في ظلال القرآن»، ونقل معه آليات التنظيم الخاص ل«الإخوان» في التخلص من المعارضين لهم، وتصفيتهم جسدياً، ما أسس للعمليات الانتحارية التي تتبناها الميليشيات الإيرانية، وجميع التنظيمات التكفيرية التي خرجت من رحم «الإخوان»، أو تلك التي يرعاها ويموّلها الولي الفقيه.

نتيجة لهذه «العلاقة العضوية» بين «الإخوان» وأتباع الخميني، اعتبر تنظيم «الإخوان» نجاح «الثورة الخمينية» في إيران عام 1979 نجاحاً «للإخوان»، وخرج «الإخوان» في تظاهرات في الجامعات المصرية ابتهاجاً بالثورة الخمينية، ورفعوا شعارات تشيد بثورة الخميني، واعتبروا نجاح ثورة الخميني مقدمة لسيطرتهم على الحكم في الدول الإسلامية «السنيّة»، وكتبت مجلة الدعوة التابعة «للإخوان» بعد نجاح ثورة الخميني، أن هذا النجاح هو لكل «الإسلام الحركي»، وهي تقصد كل التنظيمات التابعة «للإخوان» أو المرشد الإيراني، وعندما اندلعت حرب السنوات الثماني بين إيران والعراق عام 1980 وقف فريق كبير من «الإخوان» بجانب إيران ضد العراق، ما شكّل صدمة لبعض الجماهير السنيّة التي كانت تعتقد أن هناك فجوات وخلافات عميقة بين «الإخوان» وأنصار الخميني، وعندما اقترب «الإخوان» من الحكم في عدد من الدول العربية بعد ثورات ما يسمى «بالربيع العربي»، كانت إيران وميليشياتها في المنطقة من أكثر الداعمين لهذه التحركات «الإخوانية»، ولهذا وجّه المرشد الإيراني علي خامنئي خطاباً «باللغة العربية» يوم 4 فبراير 2011 إلى المتظاهرين في مصر وتونس، ووصف تظاهرات الربيع العربي بأنها «استكمال للثورة الخمينية» التي جاءت قبل 31 عاماً من تظاهرات ميدان التحرير في مصر... فما هي جذور التعاون بين الحركات المتطرفة التي خرجت من عباءة «الإخوان» ونظام ولاية الفقيه؟ وكيف يعمل كل من «الإخوان» والتنظيمات الإيرانية على خلق هشاشة أمنية وفكرية في المنطقة، بهدف استغلالها للوصول للحكم في عدد من الدول العربية والإسلامية؟

«الحشد الشعبي» لا يختلف عن التنظيمات التكفيرية في المذاهب الأخرى
«الحشد الشعبي» لا يختلف عن التنظيمات التكفيرية في المذاهب الأخرى

تصدير الإرهاب

لا ينبع تأييد «الإخوان» لإيران في الحرب الحالية من فراغ، فكل كتائب «الإخوان»، داخل وخارج العالم العربي والإسلامي، تدعم بشكل أعمى السلوك الإيراني، بما فيه استهداف «الحرس الثوري» لدول مجلس التعاون الخليجي والأردن، ويعود ذلك إلى الاتفاق الكامل بين الطرفين في الأدوات والأهداف، ومنها «تصدير الثورات والفوضى والخراب»، حيث يرى «الإخوان» منذ 5 عقود ماضية، أن رغبة إيران في تصدير الثورة الخمينية يتفق تماماً مع فكرهم القائم على تصدير الأيديولوجيا المتطرفة والظلامية الخاصة بهم إلى كل الدول.

ويعود ذلك عملياً، إلى أن الفريقين ينهلان من المصدر الفكري المتطرف نفسه، فعلى سبيل المثال يتم تدريس أفكار سيد قطب وأبو الأعلى المودودي «للحرس الثوري» الإيراني، وقوات الباسيج، وهي أفكار قدّمها الخميني، وخامنئي، وقادة الثورة الخمينية، إلى البيئة الحاضنة لهم منذ بدء العلاقة بين تنظيم «الإخوان» وجماعة «فدائيي الإسلام»، بقيادة رجل الدين الإيراني «مجتبى ميرلوحي»، المعروف باسم نواب صفوي، وتُعد «فدائيي الإسلام» هي البذرة الأولى لتأسيس «حزب الدعوة» العراقي الذي تأسس في النجف الأشرف، وكان بمثابة «القاطرة» التي تدعم تحركات الخميني في الفترة منذ عام 1964 وحتى قيام الثورة الخمينية عام 1979، وكان لهذا الحزب سطوة، بخاصة على أتباع الخميني، لأنه كان مرتبطاً بالحوزات الدينية الشيعية في قم والنجف الأشرف، وتعود هذه العلاقة إلى لقاء خاص عام 1954 سبق أن رتّبه الخميني في القاهرة، وجمع فيه قيادات «الإخوان» مع نائب صفوي، ونقل صفوي بعدها كل ما يعرفه «الإخوان» عن تأسيس التنظيمات المسلحة، والتخلص من المعارضين السياسيين، ولهذا لم يكتفِ الخميني بتأييد اغتيال الرئيس أنور السادات في أكتوبر 1981، بل قام بتسمية الشارع الذي توجد فيه السفارة المصرية في طهران باسم خالد الإسلامبولي، قاتل السادات، وعندما وصل «الإخوان» إلى حكم مصر سارع الرئيس «الإخواني» محمد مرسي، إلى دعوة نظيره الإيراني أحمدي نجاد لزيارة القاهرة، وسمح «الإخوان» للرئيس نجاد بإلقاء خطاب في الجامع الأزهر، كما أن مرسي نفسه زار طهران، كأول رئيس مصري يزورها بعد 34 عاماً من قطع العلاقات الدبلوماسية بين طهران والقاهرة.

البرهان يستقبل وفداً إيرانياً في مارس 2026 وسط الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية
البرهان يستقبل وفداً إيرانياً في مارس 2026 وسط الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية

مقاربات مشتركة

على الرغم مما يبدو من منهجية وأهداف مختلفة بين التنظيمات الإرهابية من مختلف المذاهب إلا أن المدقق في خطابهم السياسي وتحركاتهم الميدانية تؤكد أنهم يعملون وفق «منهجية واحدة»، و«أهداف مشتركة»، فقد تأسس «حزب الإصلاح» التابع «للإخوان المسلمين» في إيران عقب الثورة الخمينية مباشرة، وترأسه في ذلك عبد الرحمن بيراني، كما أسس «الإخوان» في طهران عقب ثورة الخميني «جمعية الدعوة والإصلاح» التي تروج لأفكار «الإخوان»، وسيد قطب، وكل هذا يؤكد التناغم الكامل بين أهداف الثورة الخمينية وتيارات «الإخوان»، حيث عمل الجانبان على مقاربات مشتركة، وأبرز هذه المقاربات هي:

أولاً: التعاون مع التنظيمات الإجرامية

يكشف سلوك التيارات «الإخوانية» والظلامية والميليشيات التي خرجت من ولاية الفقيه استعدادها للتعاون مع الشيطان من أجل تحقيق أهدافها، ولهذا تعمل إيران و«حزب الله» مع تجار المخدرات في أمريكا اللاتينية من أجل جمع المال، ولعل تجارة «حزب الله» في الكبتاجون وتصديرها إلى الخارج، يكشف عن هذا السلوك الإجرامي الذي يضاف إلى السلوك الإرهابي، ولهذا صنفت وزارة الخارجية الأمريكية «حزب الله اللبناني» جماعة «إجرامية وإرهابية»، ونفس الأمر بالنسبة إلى جماعات العنف المنبثقة من «الإخوان»، مثل «داعش» و«القاعدة» و«الجهاد».

سيد قطب ونواب صفوي عام 1953 في القاهرة
سيد قطب ونواب صفوي عام 1953 في القاهرة

ثانياً: احتكار الإسلام

كل من التنظيمات الظلامية، الشيعية والسنية، ترفض أيّ طرح إسلامي آخر، وتسعى دائماً إلى احتكار «السردية الإسلامية»، على الرغم من أن أغلبية ضحايا تيارات العنف الديني هم من المسلمين، ففي السودان، على سبيل المثال، يرفض «إخوان السودان» وقف الحرب، على الرغم من أن جميع ضحايا الحرب من المسلمين.

ثالثاً: توظيف القضية الفلسطينية

على الرغم من أن القضية الفلسطينية قضية سياسية واضحة تقوم على احتلال الأرض، وصدور قرارات دولية بشأنها من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل قيام الثورة الخمينية بعقود، إلا أن التنظيمات الإرهابية سواء «الإخوان» أو النظام الإيراني «يوظفون» القضية الفلسطينية لتحقيق أهداف سياسية خاصة بهما، عبر المزايدة على مواقف الدول العربية والإسلامية، ولهذا، فإن تحليل مواقف هذه التنظيمات يؤكد أنها تسهم في تعميق الانقسام الفلسطيني الذي يُعد من أبرز عوامل ضعف القضية الفلسطينية.

رابعاً: الإمامة والخلافة

تلتقي كل التنظيمات الإرهابية على هدف واحد، هو قيام دولة عابرة للحدود يطلق عليها «الإمامة» في المذهب الشيعي، و«الخلافة» لدى تيارات «الإخوان»، ومنذ سقوط الخلافة العثمانية عام 1924 يروّج «الإخوان» بأن هدفهم هو إقامة «الخلافة»، وأخذ الخميني فكرة الإمامة من مبدأ «الخلافة» عند «الإخوان»، كما استقى منهم «منصب المرشد»، ففي كلا التنظيمات الإيرانية و«الإخوانية»، يوجد منصب «المرشد الأعلى» الذي يجمع كل السلطات، الدينية والاقتصادية والعسكرية والسياسية، في يده، وكان هذا واضحاً في رسائل حسن البنا، وخاصة رسالته في المؤتمر الخامس التي أكد فيها أن هدف جماعته هو إحياء الخلافة «الدولة العابرة للحدود»، وهنا تلتقي الدعوة إلى «الحاكمية» عند التيارات «الإخوانية» مع الدعوة «لولاية الفقيه» عند التيارات الإيرانية، ويرتبط كل هذا بمفهوم قائم على «التوسع الخارجي» وهو ما يقوم به «فيلق القدس» التابع «للحرس الثوري» الإيراني، في العراق واليمن ولبنان، لأن الطرفين يؤمنان بأن السلطة السياسية حق إلهي للنخبة المؤمنة.

الترابي التقى الخميني في باريس قبل الثورة بأسابيع
الترابي التقى الخميني في باريس قبل الثورة بأسابيع
خامنئي هو الذي ترجم كتب سيد قطب للفارسية
خامنئي هو الذي ترجم كتب سيد قطب للفارسية

نموذج السودان

يُعد السودان في الوقت الحالي نموذجاً للتعاون بين إيران و«الإخوان»، حيث تدعم إيران التيارات «الإخوانية» في جيش بورتسودان بالطائرات المسيّرة من طراز «مهاجر 6»، و«أبابيل 3»، إضافة إلى صواريخ «الصاعقة 2»، وصواريخ المدفعية، وكميات كبيرة من الذخيرة جرى نقلها عبر 9 شحنات نقل جوي بحسب موقع «فلايت رادار»، الذي يتابع حركة الطيران، ما أسهم في فك الحصار عن البرهان عام 2023 عندما كان محاصراً في مقر قيادة الجيش في الخرطوم، وتعتبر كتيبة البراء بن ملك «الإخوانية» أن الدعم العسكري الإيراني هو الذي ساعدها في استعادة مثلث الخرطوم، وأم درمان، والخرطوم بحري.

ووفق وثائق أمريكية، فإن إيران زادت من دعمها العسكري المباشر للكتائب «الإخوانية» في جيش بورتسودان، منذ ديسمبر 2024، وتقدم طهران تدريباً عالي المستوى على يد عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني للكتائب «الإخوانية» في جيش البرهان، فضلاً عن تقديم طهران إمدادات من الوقود والأدوية لحكومة بورتسودان، مع تسهيلات لعلاج جرحى العمليات العسكرية، ويناقش الطرفان إنشاء فرع بنك إيراني في السودان لتسهيل التحويلات المالية، والدعم الاقتصادي المباشر بين الطرفين، وسبق للطرفين عام 2025 مناقشة إنشاء قاعدة عسكرية إيرانية في منطقة «أوسيف»، على البحر الأحمر مقابل استمرار الدعم العسكري الإيراني للمجموعات «الإخوانية» في جيش بورتسودان، وعلى الرغم من الضغوط الهائلة على النظام الإيراني أثناء 40 يوماً من الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، إلا أن إيران أرسلت وفداً إلى بورتسودان خلال فترة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وكان الهدف هو مراقبة إيران بدعم من جيش البرهان للتحركات البحرية الأمريكية في البحر الأحمر، ما دفع حاملة الطائرات الأمريكية جورج بوش الابن، إلى الذهاب إلى الخليج العربي عبر طريق رأس الرجاء الصالح.

الأراكي وبجواره إبراهيم منير
الأراكي وبجواره إبراهيم منير

ويرتبط «إخوان السودان» بعلاقة قوية مع تيار الخميني قبل نجاح ثورة الولي الفقيه، عندما التقى زعيم الحركة الإسلامية السودانية حسن الترابي بالخميني في باريس، وبعد وصول «الإخوان» إلى السلطة في السودان عام 1989، تعمقت هذه العلاقة، بعد أن وجدت إيران في السودان منصة لنشر نفوذها في إفريقيا، بينما سعى «إخوان السودان» للحصول على دعم عسكري واقتصادي، ما يقول إن إيران تساعد في إعادة إنتاج نظام «الإخوان» في السودان تحت مظلة جديدة، ما قد يضع السودان أمام «عزلة دولية» مشابهة لتلك التي عاشها في تسعينيات القرن الماضي.

المؤكد أن العلاقات القوية التي تجمع التيارات «الإخوانية» والميليشيات الإيرانية ليست جديدة، وأن هناك علاقات قديمة وممتدة منذ عام 1939، ما يؤكد أن هذه التنظيمات لا تخدع منافسيها وأعداءها فقط، بل تخدع أتباعها أيضاً، عندما تروج هذه التنظيمات في الظاهر للخلافات، بينما حقيقة الأمر تعاون وتشابك مصالح تحت عباءة «الإخوان».

[email protected] 

«داعش» و«القاعدة» لا يختلفان عن الميليشيات الإيرانية
«داعش» و«القاعدة» لا يختلفان عن الميليشيات الإيرانية

7 مايو 2026
تكفير البشر وتدمير الدول.. القاعدة الأساسية للتنظيمات الإرهابية

الظلاميون.. جماعات وميليشيات عابرة للحدود (2-3)

رغم الخلافات والاختلافات المذهبية والأيديولوجية بين التنظيمات الإرهابية والتكفيرية إلا أنها جميعها ترى في الدولة الوطنية «كياناً طارئاً» و«صناعة استعمارية» يجب تحطيمها حتى تكون الظروف جاهزة لهم للوصول إلى أهدافهم بتشكيل «جماعة عابرة للحدود» لتحقيق أهداف «ولاية الفقيه» أو «الخلافة»، ولهذا فإن أول ما قام به تنظيم داعش في 11 يونيو عام 2014 هو إزالة الحدود بين العراق وسوريا، كما أن عناصر حزب الله اللبناني لا يحترمون الحدود الوطنية للدول عندما ينتقلون لتدريب الميليشيات في سوريا والعراق واليمن، وظل «تقويض السيادة» وهدم صورة الدولة هو الهدف الأول الذي تعمل عليه التنظيمات الإرهابية من مختلف المذاهب بما يؤدي في النهاية إلى «تقويض وتآكل شرعية الدولة» في عيون مواطنيها.

خير شاهد على الخسائر التي تتسبب فيها التنظيمات الإرهابية هو ما جرى في السودان، وكيف تسبب الإخوان في انفصال الجنوب عن الشمال في نوفمبر 2011، وقتل آلاف المواطنين من أبناء دارفور، ثم التسبب في الحرب الحالية التي دخلت عامها الرابع في 15 إبريل الماضي، وهو نفس السلوك الذي يقوم به حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وكلها باتت تنظيمات تنشر الخراب وعدم الاستقرار في المنطقة كلها. وخلال العقدين الماضيين تماهت الأدوات والأهداف التي تعمل بها التنظيمات الإرهابية حيث سعى تنظيم الإخوان إلى السيطرة على المنطقة العربية عبر ما سمي بثورات «الربيع العربي»، وتوسع داعش والقاعدة ليس فقط في سوريا والعراق، بل وصلا إلى مناطق بعيدة منها مساحات واسعة في آسيا الوسطى، وجنوب القوقاز، وجنوب وجنوب شرق آسيا خصوصاً تنظيم «داعش خرسان»، ناهيك عن الانتشار غير المسبوق للجماعات الإرهابية في مناطق الساحل والصحراء، وغرب إفريقيا، ومنطقة القرن الإفريقي وبحيرة تشاد.

ميليشيات تأخذ من فكر الإخوان العنيف
ميليشيات تأخذ من فكر الإخوان العنيف

وإذا كان هذا يتعلق بالتنظيمات السنية فإن نفس الأمر قائم بالنسبة للتنظيمات الشيعية بعد أن عمل «فيلق القدس» بقيادة قاسم سليماني على تمويل وتعزيز القدرات العسكرية لقوات «الحشد الشعبي» التي تتكون من 70 ميليشيا ومجموعة عسكرية لتكون ذراع إيران في العراق والمشرق العربي، بالإضافة إلى تشكيل ما يسمى «الفصائل الولائية» التي تؤمن بولاية الفقيه مثل كتائب حزب الله العراقي، وعصائب أهل الحق، ومنظمة بدر، وحركة النجباء، وفرقة العباس، ولواء علي الأكبر، ناهيك عن «لواء الفاطميون» و«لواء الزينبيون»، وتعمل هذه التنظيمات على تحقيق هدف رئيسي هو «تصدير الثورة الخومينية» كما ينص الدستور الإيراني، وتصدير نموذج الحكم الإيراني إلى الخارج، وجعل الولاء السياسي والمذهبي مرتبطاً بالمرشد الأعلى في طهران بدلاً من الأوطان، وهو ما كشفت عنه التحقيقات الأخيرة مع التنظيمات الإرهابية التي تم ضبطها في الإمارات والكويت في شهر إبريل الفائت. وبدعم من الحرس الثوري الإيراني ذهب حزب الله اللبناني بعيداً إلى منطقة المثلث الحدودي بين الأرجنتين والبرازيل وباراجواي لتهريب المخدرات، وغسل الأموال وشراء السلاح، وتوجد خلايا تدعمها إيران في غرب إفريقيا مثل نيجيريا وساحل العاج، كما أعلنت الدول الأوروبية أكثر من مرة عن أنشطة للحرس الثوري الإيراني خصوصاً في ألمانيا وهولندا، وهو ما دفع دول الاتحاد الأوروبي مؤخراً إلى تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.

ونتيجة لكل هذا فإن الأثر الوحيد التي تتركه التنظيمات الإرهابية في أوطانها هو الفقر والتخريب والاستنزاف حيث تحل القنابل والأحزمة الناسفة محل التنمية والازدهار، كما أدت سيطرة التنظيمات المتطرفة على بعض الدول مثل اليمن والعراق ولبنان وبوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى وباقي دول الساحل والصحراء إلى تعميق الفقر، وتدمير البنية التحتية، وهي خسائر تقدر بتريليونات الدولارات، الأمر الذي أعاد مجتمعات ودولاً كثيرة إلى الوراء عشرات السنوات.. فما هي العوامل المشتركة بين كل التنظيمات الإرهابية من مختلف المذاهب؟ وما هي الأدوات التي يعملون بها، والأهداف التي تسعى إليها كل جماعة من تلك التنظيمات الظلامية؟

تدريبات التنظيم الخاص للإخوان على العنف
تدريبات التنظيم الخاص للإخوان على العنف

أدوات مشتركة

لا يوجد اختلاف في الأدوات التي تعمل بها وعليها جميع التنظيمات الإرهابية المدعومة من «ولاية الفقيه» أو «التنظيم الدولي للإخوان»، وأبرز تلك الأدوات هي:

أولاً: إضعاف الجيوش

أول ما تعمل عليه التنظيمات الإرهابية هو إضعاف الجيوش الوطنية وإخراجها من الخدمة كما فعلوا عملياً في اليمن عبر حروب الحوثيين الست ضد الجيش اليمني، ونفس السيناريو جرى في العراق عبر الحشد الشعبي، وفي لبنان عبر «حزب الله»، ولهذا تبدأ التنظيمات الإرهابية باستهداف القوى الأمنية. وليس الهدف فقط هو قتل الجنود والضباط، بل كسر صورة الدولة التي تقدم الأمن والسلام والاستقرار للمواطن، حتى يشعر هذا المواطن بأن أفراد جيشه وشرطته غير قادرين على حماية أنفسهم بما يزعزع إيمان المواطن بقدرة الأجهزة الأمنية لبلاده على حمايته، وهو ما يفتح الباب لظهور «بدائل أمنية» ميليشياوية.

ثانياً: احتكار السلاح

وفق مفهوم الدولة الوطنية فإن الدولة والحكومة الشرعية هي التي تحتكر «الاستخدام المشروع للقوة»، التي دائماً تكون في إطار القانون، وبما يحافظ على النسيج الاجتماعي والسياسي للدولة، لكن التنظيمات الإرهابية، مثل داعش والقاعدة وحزب الله والحوثيين وميليشيات الحشد الشعبي، تعمل دائماً على تجاوز أحد أهم أركان السيادة الوطنية عبر استخدامها القوة، وشراء السلاح، وممارسة القتل وفق قوانينها الخاصة، بهدف خلق «دويلات» داخل الدولة، وهو ما ساهم في انتشار الحروب الأهلية، وفقدان الأمن والسلم الأهلي، ولهذا تصور التنظيمات الظلامية الدساتير والقوانين كأنها «كفر أو تبعية للخارج» حتى تنزع الشرعية عن القضاء ومؤسسات التشريع، ليكون «قانون الغابة» أو أحكام التنظيم هي المرجع الوحيد، ويؤدي كل ذلك في النهاية إلى فقدان هيبة القانون وتراجع مكانة مؤسسات الدولة.

إرهابيون عابرون للحدود
إرهابيون عابرون للحدود

ثالثاً: الجيوش الموازية

أخطر ما تمثله التنظيمات الإرهابية أنها باتت بمثابة «جيوش موازية» داخل دولها، وتملك مقدرات عسكرية أكثر من الجيوش الوطنية ذاتها، كما هو الحال في لبنان والعراق حيث يمتلك حزب الله والحشد الشعبي قدرات عسكرية كبيرة تفوق ما لدى الجيشين اللبناني والعراقي، خصوصاً ما يتعلق بالمسيرات الانتحارية، والصواريخ البالستية والصواريخ المجنحة، وغالبية هذه الأسلحة تأتي من إيران أو يقوم الحرس الثوري بشرائها لصالح تلك التنظيمات، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تهديد مصادر الطاقة والممرات البحرية عبر تلك الجيوش الموازية.

رابعاً: تدمير الخدمات

تقديم الخدمات عبر مؤسسات الدولة وجهازها الإداري هو ما يربط المواطن بدولته على مدار الساعة حيث يتلامس مع هذه الخدمات بشكل يومي، وحتى تقدم الجماعات الإرهابية نفسها كبديل للدولة تقوم بتدمير الأصول التي تقدم هذه الخدمات مثل محطات الكهرباء وخطوط الغاز والمدارس والمستشفيات، والهدف هو إظهار الدولة في مظهر العاجز عن تقديم الخدمات الأساسية. ومع ظهور الفراغ في الخدمات تبدأ تلك التنظيمات في تقديم نفسها بديلاً إدارياً للدولة يوفر الخدمات لمن يدين لها بالولاء، وهو ما جاء بالضبط في كتاب «إدارة التوحش» الذي نشره تنظيم القاعدة عام 2004، وبات دليلاً لكل التنظيمات الإرهابية السنية والشيعية، حيث يشرح كيفية استهداف تلك التنظيمات لقطاعات حيوية مثل السياحة والاستثمار الأجنبي، لأن فقر الدولة وضعف مواردها يحدان من قدرتها على التنمية، ويؤديان إلى زيادة معدلات البطالة، وهي عناصر ضرورية للبيئة الاجتماعية التي تستغلها التنظيمات لتجنيد الشباب المحبطين والفقراء، كما جرى في جنوب لبنان في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، ويجري الآن في مناطق كثيرة في إفريقيا وآسيا، فالدولة بكل مؤسساتها الوطنية وقوانينها المستقرة هي العائق الحقيقي أمام تمدد التنظيمات الإرهابية، ولهذا فإن استراتيجية التنظيمات التكفيرية لا تقتصر على الهجمات على الجيش والشرطة والقضاء، بل تركز على المرافق الإدارية والخدماتية حتى تصبح الدولة مشلولة وغير قادرة على القيام بدورها.

خامساً: التوظيف المذهبي

رغم أن دوافع هذه التنظيمات سياسية وهدفها النهائي هو السيطرة على الحكم، إلا أنها تقوم على توظيف الدين أو المذهب ضد كل من يخالفها أو يعترض عليها، ولهذا نجد الضحايا المسلمين من العمليات الإرهابية هم الأكثر في العالم، فالخلافات بين تلك التنظيمات حادة، وصراعاتها وجودية، ولهذا قامت التنظيمات السنية بتكفير ليس فقط غير المسلمين، بل كل مسلم يرفض منطقها وسرديتها، الأمر الذي خلق حالة من الانقسام في المجتمع. والأمر نفسه لدى التنظيمات الإرهابية التابعة لإيران تعتمد «استراتيجية المظلومية التاريخية» والارتهان لدولة وقوى خارجية ما جعل المواطنة تبدو «ثانوية» للغاية عند مقارنتها بانتمائهم وولائهم للمذهب، وهو ما قاد في النهاية إلى ضعف «الهوية الوطنية الجامعة» واستبدالها بهويات فرعية متصارعة ومتقاتلة، فجماعات الإخوان وداعش والقاعدة وبوكو حرام وحزب الله والحشد الشعبي والحوثيين هم في الأساس «أدوات» لهدم الدول، وتوفير مبررات للتدخل الخارجي، وهو ما يحول جغرافيا الوطن إلى ساحة للنفوذ الخارجي.

ميليشيا أبو العباس
ميليشيا أبو العباس

سادساً: الاستعلاء والاستحلال

تتفق جميع التنظيمات الإرهابية في أنها تشعر بالاستعلاء على باقي طبقات المجتمع، وهو ما يعطيها الحق - وفق منهاجها- لاستحلال دماء وممتلكات الشعب والدولة بعد ذلك، وفي سبيل تبرير تكفير المجتمع تستند الجماعات التكفيرية إلى ما جاء في كتب قادة «الإخوان وولاية الفقيه» كأساس لانفرادها بالتشريع والسيطرة على «السلطة المطلقة»، واعتبار أي نظام قانوني أو سياسي خارجاً عن الإسلام. وتستخدم هذه التنظيمات هذه الأدوات لشرعنة العنف، وذلك عبر التشكيك في المجالس التشريعية والنيابية، ولهذا يشبهون المجتمعات الحديثة بالمجتمعات الجاهلية التي كانت قبل الإسلام، بما يبرر لهم القتل وشن الحروب تحت عنوان «الجهاد المسلح» لإسقاط الدولة، وهو ما نراه في عمليات الاغتيالات السياسية عند التنظيمات السنية، و«الثلث المعطل» الذي ظل يقوم به حزب الله في لبنان من أجل تعطيل عمل البرلمان، والترهيب بقوة السلاح، وهو ما يشكل ضرباً للوحدة الوطنية والنسيج السياسي للدولة التي تعتمد على «مبدأ المواطنة» بينما يعمل الإرهابيون على الانقسامات وإثارة النعرات الطائفية والعرقية، وتفتيت المجتمع إلى هويات فرعية متصارعة حتى يكون الولاء للتنظيم أو الطائفة مقدماً على الولاء للوطن.

سابعاً: العقل النقدي والوعي الوطني

لعل مسمى «بوكو حرام» أو «التعليم حرام» لأبرز جماعة إرهابية في إفريقيا خير شاهد على سعي التنظيمات المتطرفة إلى القضاء على التفكير النقدي للمجتمع، والسعي إلى نشر الجهل حتى يمكن السيطرة على المجتمع بسهولة، لأن التنظيمات الظلامية تعلم أن العقل النقدي والوعي الوطني هما خط الدفاع الأول عن مؤسسات الدولة، ولهذا أول ما تقوم به التنظيمات الإرهابية في المناطق التي تسيطر عليها هو تغيير المناهج الدراسية حيث تلغي فيها مفهوم الوطن، ومعنى الحدود.

ثامناً: ساحة مقايضة

تعمل كافة التنظيمات الإرهابية على تحويل مجتمعاتها إلى «ساحة مقايضة» لصالح قضايا التنظيم أو «الولي الفقيه» حيث دخلت التنظيمات الإرهابية إلى جانب إيران في حربها ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وتستغل إيران الحشد الشعبي وحزب الله اللبناني والحوثيين أوراقاً تفاوضية مع الولايات المتحدة في الملفات النووية والصاروخية، وكلما زاد الضغط على النظام الإيراني زاد من تحريك هذه الأدوات الإرهابية في الدول العربية، وهو ما يؤكد أن أهداف هذه التنظيمات ليست وطنية أو إصلاحية، بل هي أهداف جيوسياسية ترمي إلى تحويل الدول التي تنشط فيها من دول ذات سيادة إلى دول تابعة أو ضمن محاور ممزقة تدور في فلك المشروع الإيراني.

تاسعاً: أساليب تمويلية

لدى التنظيمات الإرهابية بمختلف مذاهبها أدوات تمويلية متشابهة، فهي تتعاون مع المجموعات الإجرامية ومهربي المخدرات والكبتاجون لشراء السلاح وحشد المقاتلين، وبات لدى تلك التنظيمات استثمارات ضخمة مثل استثمارات «الإخوان» في العقارات القديمة في لندن، وتجارة الألماس في إفريقيا، وغسل الأموال في أمريكا اللاتينية والكاريبي. كما باتت تلك الجماعات تحصل على تبرعات بالعملات المشفرة يصعب مراقبتها أو مصادرتها، ناهيك عن استخدام غرف الدردشة المغلقة والألعاب الإلكترونية لتجنيد الشباب في صفوفها.

في الحلقة المقبلة سوف نكشف العلاقة العضوية والفكرية بين مختلف التنظيمات الإرهابية، وكيف يدعم تنظيم الإخوان والميليشيات الشيعية بعضها، وكيف تأثر الخوميني بكتب سيد قطب، ولماذا تظاهر «الإخوان» في الجامعات والساحات دعماً للثورة الخومينية عام 1979، ولماذا دعم المرشد الثاني علي خامنئي المتظاهرين في ميدان التحرير في خطاب متلفز باللغة العربية؟

[email protected]