«إذا احترقت أوكرانيا، فستحترق موسكو أيضاً».. كلمات أطلقها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مؤخراً، معلناً بها استراتيجية جديدة لكييف لتغيير موازين القوى في ساحة المعركة، ونُفِّذت ميدانياً ليلة الجمعة التي شكَّلت تحولاً دراماتيكياً في مسار الحرب، بعد نقلها إلى مدن روسية لأول مرة منذ أربع سنوات من القتال، إثر شن أعنف غارات ب660 مسيّرة لاستهداف مصافي النفط، تنفيذاً لخطة ال«40 يوماً» من الضغط لإجبار الكرملين على وقف الحرب.
استياء ترامب من روسيا
وبحسب تقرير نشره موقع «أكسيوس» الأمريكي، فإن تصعيد الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية يأتي بعد تزايد استياء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، بسبب الجمود الذي تشهده عملية إنهاء الحرب في أوكرانيا، ما تسبب في تراجعه عن «تفاهمات أنكوراج»، التي قبلت بموجبها الولايات المتحدة مطلب روسيا بالسيطرة على منطقة دونباس الأوكرانية في أي اتفاق.
وتواصل أوكرانيا تنفيذ استراتيجيتها باستنزاف روسيا عبر شن هجمات بعيدة المدى، مما يزيد معاناة روسيا لتوفير الوقود لمدنها والإمدادات لقواتها، وهو ما ترجمه إعلان الرئيس فولوديمير زيلينسكي الخميس الماضي، عن إطلاق «عملية تأثير مدتها 40 يوماً» لإجبار موسكو على توقيع اتفاقية سلام، والتي تلاها بساعات شن الجيش الأوكراني إحدى أكبر هجمات الطائرات المسيّرة في الحرب، مستهدفةً 12 منطقة روسية، بالإضافة إلى شبه جزيرة القرم المحتلة.
تدمير 660 مسيّرة أوكرانية
وأعلنت السلطات الروسية أنها اعترضت نحو 660 طائرة مسيّرة أوكرانية، متجاوزةً الرقم القياسي السابق المسجل في 17 مايو/أيار من العام الماضي، والذي استخدمت فيه كييف 556 مسيّرة، مما يعكس تسارعاً كبيراً في وتيرة تطوير القدرات الجوية الأوكرانية بعيدة المدى.
وعقب الهجوم الأوكراني، أكدت سلطات موسكو تصديها ل47 مسيّرة دون تسجيل إصابات أو أضرار مادية، كما وردت أنباء عن انفجارات في مصنع كيماويات بمنطقة تولا، ونشوب حريق إثر استهداف مصنع كيماويات ومحطة لتوليد الطاقة الكهرومائية في «نوفوموسكوفسك».
وأكد الجيش الأوكراني أن هجماته استهدفت منشآت حيوية في مدينة كيرتش الساحلية، مؤكداً ضرب سفينتي الاستطلاع وزرع الألغام «فولغا» و«فياتكا»، إضافة إلى عبّارة الشحن والركاب «بتروبافلوفسك» ورادارات للدفاع الجوي، مما أسفر عن اندلاع حريق هائل.
أمطار سوداء في موسكو
جاء ذلك بعد أسبوع من انفجار هائل في أكبر مصفاة نفط في موسكو، مما أدى إلى تصاعد دخان أسود كثيف في السماء. وأفادت التقارير بأن السكان لجأوا إلى الأقبية، وخرجوا ليجدوا «أمطاراً سوداء» في بعض أجزاء المدينة، ومن المرجح أن تبقى المصفاة خارج الخدمة حتى عام 2027.
وتعرضت ثلاث مصافٍ روسية أخرى على الأقل للهجوم هذا الأسبوع، إلى جانب أهداف أخرى، ويشير إعلان زيلينسكي عن عملية مدتها 40 يوماً إلى أن هناك المزيد من العمليات القادمة.
استهداف مصاف النفط الروسية
وتجاهد أوكرانيا باستهداف مصافي النفط في أنحاء روسيا لتعميق أزمة الوقود لدى الأخيرة، لإجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات، واستغلال الدعم الذي يقدمه ترامب علناً لكييف.
وقال زيلينسكي هذا الأسبوع: «هناك صعوبات جمة لروسيا، والسبب هو رفض بوتين إنهاء حربه والاستماع إلى مقترحاتنا لعقد اجتماع، وإجراء مفاوضات حقيقية، وتحقيق سلام كريم».
من جانبه، يصرُّ بوتين على أن روسيا مستعدة للتفاوض على السلام بشروطها. وأقر في وقت سابق من هذا الشهر بأن غارات الطائرات المسيّرة الأوكرانية تُلحق بعض الأضرار، لكنه قال: إنها لن تنجح في تقسيم المجتمع.
وقال بوتين هذا الأسبوع: «الضربات على البنية التحتية المدنية، ما هو هدفها؟ زعزعة استقرار المجتمع.. وخلق حالة من عدم اليقين بشأن تحركات القوات المسلحة الروسية».
وكان ترامب، الذي التقى زيلينسكي في قمة مجموعة السبع الأسبوع الماضي وتحدث مع بوتين قبل ذلك، قد أشار إلى أن أوكرانيا «تبلي بلاءً حسناً» في الحرب.
تلميح أمريكي بالتخلي عن «تفاهمات أنكوراج»
وقال مسؤولان حضرا القمة: إن ترامب أعرب عن استيائه من بوتين، بل وألمح إلى إمكانية التراجع عن «تفاهمات أنكوراج»، التي قبلت بموجبها الولايات المتحدة مطلب روسيا بالسيطرة على منطقة دونباس الأوكرانية في أي اتفاق.
وقال أحد المسؤولين لموقع «أكسيوس»: «كان ترامب متشككاً في كل ما يتعلق ببوتين، وتحدث عن الضغط على روسيا، لكن قادة آخرين لا يعتقدون أنه سيتخذ إجراءً فعلياً حيال ذلك».
وتعثرت الجهود الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا نتيجةً لتضافر عوامل الحرب في المنطقة والإحباطات الناجمة عن فشل جولات سابقة عدة.
وفي وقت تزداد فيه ثقة كييف في قدرة حملتها بالمسيّرات الانتحارية التي تزداد وطأتها على موسكو على إعطاء زخم جديد لمحادثات السلام، يرى محللون أنها ستُرسّخ في روسيا قناعةً بضرورة محاربة أوكرانيا وهزيمتها.
أزمة الوقود في القرم
وكان تأثير الضربات الأوكرانية بعيدة المدى أشدّ وطأةً في شبه جزيرة القرم التي تسيطر عليها روسيا، حيث أوقفت السلطات جميع مبيعات الوقود وأعلنت حالة الطوارئ يوم الجمعة.
وشنت أوكرانيا هجمات على محطات توليد الكهرباء في شبه جزيرة القرم، وعرقلت خطوط النقل التي تربطها بروسيا، وتستخدم أوكرانيا أيضاً طائرات مسيّرة لقطع خطوط الإمداد عن القوات الروسية على الجبهة.
وفي هذا الوقت تواصل القوات الروسية محاولاتها للتقدم في شرق أوكرانيا، لكن التقدم بطيء والخسائر البشرية مرتفعة.
وتشكل قمة الناتو في السابع من يوليو/تموز المقبل لحظةً حاسمةً أخرى في تعزيز القدرات العسكرية الأوكرانية، بعد وعود بدعم إضافي تلقاها زيلينسكي خلال حضوره قمة قادة مجموعة السبع الأخيرة، حيث تأمل كييف أن تسهم تلك المساعدات الموعودة في تكثيف ضغوطها العسكرية لإجبار بوتين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.