تعيش الكثير من شعوب العالم في أزمات تتوالد باستمرار، فما إن تخرج من أزمة حتى تغرق في أخرى أشد وأعقد، وتعد الصراعات من أبرز التحديات التي تواجه مشاريع التنمية والتطور في المجتمعات، حيث تطول آثارها الكارثية مختلف جوانب الحياة ولا تقتصر على الخسائر البشرية فقط، وإنما تؤثر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية.
وكلما طال أمد هذه الصراعات وتشعبت اتجاهاتها ازدادت كلفتها الباهظة على الشعوب التي تبتلى بها، لأنها قد تقود هذه الشعوب إلى الفقر والتخلف والجوع، حيث تؤدي إلى هروب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتضطر الحكومات إلى توجيه جزء كبير من مواردها للإنفاق العسكري والأمني بدلاً من توجيهها إلى التعليم والصحة والتنمية الاقتصادية، كما أن هذه الصراعات الدموية من شأنها أن تؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر وتراجع مستويات الدخل والإنتاج، وانعدام الأمن الغذائي، الذي يعد نقطة الارتكاز الرئيسية في أي عملية تنموية.
والحقيقة أن ما قادنا إلى هذه المقدمة هو التقرير الأممي الذي أصدرته منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) مؤخراً والذي حذر من تفاقم انعدام الأمن الغذائي الحاد لملايين الأشخاص في 13 دولة تصنف على أنها «بؤر ساخنة للجوع» خلال الفترة الممتدة من حزيران/ يونيو إلى تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، ومن بينها عدد من الدول العربية.
وحددت الفاو كلاً من السودان وجنوب السودان واليمن وفلسطين باعتبارها أكثر بؤر الجوع خطورة في العالم من حيث حدة الجوع ونطاقه، كما تشمل هذه القائمة كلاً من سوريا وتشاد وبوركينا فاسو ومالي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وميانمار وهايتي وأضيفت إليها نيجيريا.
وبحسب التقرير الأممي فإن النزاع المسلح والعنف هما الدافعان الرئيسيان لانعدام الأمن الغذائي الحاد. ويؤكد كارل سكاو، المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، أنه لا يمكن تجاهل التحذيرات الواردة في التقرير المذكور، مضيفاً أنه من المتوقع أن يواجه ملايين آخرون مستويات متفاقمة من الجوع في الأشهر المقبلة، ما يدفع البعض منهم نحو حافة المجاعة.
والحقيقة أن منظمة الفاو أوضحت أن النزاع المسلح والعنف هما الدافعان الرئيسيان لانعدام الأمن الغذائي الحاد، لكن ما لم تذكره المنظمة ربما لأنه ليس من اختصاصها هو الإشارة بوضوح إلى جذور الأزمات التي تعيشها الكثير من الدول لا سيما في دول العالم الثالث، وهو أن التحول الاقتصادي الذي شهده العالم وانجرافه إلى الرأسمالية بحالتها المتوحشة والاستعمار بأشكاله المختلفة الذي يزحف على حقوق الشعوب، تحت شتى الشعارات، ويحاول رسم الحدود والسياسات الدولية لا سيما الاقتصادية منها وفقاً لمصالحه ومشاريعه، ولا سيما قوى الاستعمار الغربي التي تسعى بكل ما أوتيت من قوة للسيطرة على الثروات العالمية ونهب خيرات الشعوب، وتسيير الاقتصاد العالمي بما يخدم مصالحها، من دون أدنى معايير العدالة والإنسانية، وهو ما يعيد إلى الأذهان ما قاله الفيلسوف جورج برنادشو ذات يوم: لحيتي كثيفة ورأسي أصلع كالاقتصاد العالمي، غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع.
وتلعب الدول الاستعمارية تاريخياً دوراً كبيراً في تغذية الصراعات في الدول النامية من خلال التدخلات السياسية، ومحاولة تقسيم المجتمعات عرقياً أو طائفياً. ما يؤسس للصراعات وبالتالي إيجاد بيئة خصبة لانتشار الفقر، حيث تدمر البنية التحتية ويتعطل الإنتاج.
واللافت هنا هو أن ما تنتجه أرضنا يكفي لإطعام جميع سكان العالم، لكنه رغم إنتاج كميات هائلة من الغذاء عالمياً، إلا أن ثلثها -أي 1.3 مليار طن- يُهدر. ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، التي تؤكد أن ما يهدر يكفي لإطعام 1.26 مليار شخص، أي ما يقارب ضعف عدد الأشخاص الذين يعانون سوء التغذية في جميع أنحاء العالم.
وبعيداً عن قضية الجفاف التي قد تضرب بعض المناطق أحياناً لأسباب مناخية
يرى الكثير من المحللين أن الاستعمار تسبب في تراجع الكثير من المحاصيل الزراعية الأساسية، لصالح الزراعات التي يتم تصديرها.
في عالمنا الحديث، لم تعد الأسلحة وحدها هي وسيلة السيطرة، بل أصبح رغيف الخبز نفسه أداة طيعة في يد القوى العظمى، التي تسعى للتحكم في ثروات الشعوب ومصائرها من دون أي وازع.
