تطرّقنا في كتابنا «الأنا»، قبل عقدين من الزمن، إلى مشكلة انشطار «الأنا» إلى أنا ظاهرة وأخرى خفية. وقلنا يومها إن هذا الانشطار ليس ظاهرة نفسية معزولة، بل هو ثمرة خوف «الأنا» من سلطة القمع الاجتماعي والسياسي والثقافي. فحين لا يستطيع الإنسان أن يظهر كما هو، وأن يقول ما يعتقد، وأن يعلن موقفه من دون خوف، تنقسم ذاته بين ما تعلنه وما تخفيه، بين وجهها الاجتماعي المرئي ووجهها الداخلي المحجوب.
وها أنا أعود اليوم إلى إضاءة هذا الوجود الإنساني الممزق، من خلال تناول العلاقة بين الخوف والكبت الشعوري، وما يولّده هذا الكبت من اغتراب، وما قد يفضي إليه، حين تتوافر شروط انفجاره، من عنف لا يمكن التنبؤ بحدوده ولا بمآلاته.
قال لي: ينطلق رجال الحكم، تاريخياً، في سلوكهم، من دوافع مختلفة. فقد يكون الدافع وطنياً، أو قانونياً، أو أخلاقياً، أو دينياً، وقد يجتمع أكثر من دافع أو بعضه. لكن الطاغية يحكمنا من دون أي وازع من هذه الدوافع.
قلت له: فكرة جميلة من إنسان لا نشاط له في السياسة، فهل تسمح لي بكتابتها؟ أجابني: نعم، بشرط ألّا تكتب اسمي، أرجوك.
«لا تكتب اسمي، أرجوك» قالها بخوف. لقد كان خائفاً من الظهور الحقيقي، خائفاً من أن يرتبط اسمه بقوله، وخائفاً من أن يتحول الرأي إلى تهمة، والكلمة إلى دليل إدانة. وهذا هو جوهر الكبت الشعوري: أن يعرف الإنسان ما يريد قوله، وأن يعرف لماذا يخفيه، وأن يمارس إخفاءه قصداً ووعياً. ولهذا فإن كبته هذا ليس كبتاً لاشعورياً، بل كبت شعوري، أي كبت موعي به.
يكمن الفرق بين المكبوت اللاشعوري والمكبوت الشعوري في طبيعة كل منهما. فالمكبوت اللاشعوري هو مشاعر أو رغبات أو صدمات لا يعرف صاحبها بوجودها المباشر، لكنها تظهر في الأحلام، وزلّات اللسان، والقلق، والانفعالات الغامضة، وحب أشياء أو كرهها دون دراية واضحة بالأسباب. فقد يغضب إنسان غضباً شديداً من موقف بسيط، دون أن يعرف أن سبب غضبه الحقيقي يعود إلى جرح قديم في أعماقه.
أما المكبوت الشعوري، فهو أمر آخر. إنه ليس مجهولاً من الذات، بل معروف لها. إنه قول لا يُقال، وموقف لا يُعلن، وغضب لا يُعبَّر عنه، ورفض لا يتحول إلى فعل. إنه ذلك الذي تخفيه الذات خوفاً، أو تزيّفاً، أو تقنّعاً، أو تقيّةً. إن أثر المكبوت الشعوري لدى الفرد يبقى، في بدايته، محصوراً في داخله. إنه يرهق صاحبه، ويضاعف شعوره بالعجز، ويخلق في نفسه مسافة بين ما هو عليه وما يظهره للناس. لكن الخطورة الكبرى تبدأ حين يتحول المكبوت الشعوري من حالة فردية إلى حالة جمعية، ومن خوف شخصي إلى خوف عام، ومن صمت فرد إلى صمت شعب.
عندما تكون السلطة متطابقة مع الجماعة، وتحوز الاعتراف المتبادل، يتحقق الاستقرار. والاستقرار، في معناه العميق، ليس مجرد غياب الاضطراب، بل هو حضور الثقة بين السلطة والمجتمع. إنه يعني أن السلطة لا تخاف شعبها، وأن الشعب لا يخاف سلطته. ويعني أن القانون ليس أداة ترهيب، بل ضمانة للحق، وأن المجال العام ليس مسرحاً للخوف، بل فضاء للقول والفعل والمشاركة.
أما عندما يوجد تناقض بين السلطة والجماعة، ويغيب الاعتراف المتبادل بينهما، فإن السلطة تدخل في حالة خوف من المجتمع. وكل سلطة تخاف مجتمعها تسعى، بالضرورة، إلى إخافته. فهي لا ترى في الناس مواطنين أحراراً، بل ترى فيهم احتمالاً دائماً للخطر. ومن هنا تلجأ إلى احتكار القوة، وتوسيع أجهزة الرقابة، وتضييق مجال القول، وتحويل الصمت إلى فضيلة، والطاعة إلى معيار للسلامة.
وإذا تحقق لها ذلك، نصبح أمام مشهد شديد المفارقة: سلطة خائفة من المجتمع، ومجتمع خائف من سلطة خائفة. فالخوف هنا دائري، يبدأ من السلطة، وينتقل إلى الناس، ثم يعود إلى السلطة في صورة ريبة أعمق. وكلما ازداد خوف السلطة من المجتمع، ازدادت قسوتها عليه، وكلما ازدادت قسوتها عليه، ازداد خوف المجتمع منها، وازداد في الوقت نفسه مكبوته الشعوري.
يمرّ المكبوت الشعوري الجمعي بمرحلتين أساسيتين. المرحلة الأولى هي مرحلة اللامبالاة. واللامبالاة ليست، كما يبدو للوهلة الأولى، غياباً للموقف، بل هي موقف صامت.
أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة التراكم. في هذه المرحلة لا يعود المكبوت ساكناً، بل يبدأ بالتحول إلى طاقة كامنة. يتراكم الغضب، وتتراكم الخيبة، وتتراكم الإهانات الصغيرة والكبيرة، حتى يصل المكبوت الشعوري إلى حدّ الانفجار. غير أن الانفجار لا يحدث بمجرد وجود المكبوت، بل يحتاج إلى شروط موضوعية: ضعف في السلطة، أو حدث صادم، أو مثال شجاع، أو أزمة كبرى، أو لحظة يشعر فيها الناس بأن الخوف لم يعد قادراً على حمايتهم من الخطر.
