ينتمي عالم القيم إلى المبادئ الأخلاقية التي تحكم علاقة الناس بعضهم ببعضهم الآخر، المبادئ التي تشكل منظومة لضبط السلوك وحماية الحياة المشتركة. بل قل القيم مؤسسة على الاعتراف بقيمة الإنسان.
فالإنسان، لا يولد خارج عالم القيم، بل يجد نفسه منذ البداية محاطاً بمنظومة من الأحكام والمعايير المتناقضة: خير وشر، فضيلة ورذيلة، شرف وعار، وفاء وخيانة، ما هو مقبول وما هو مرفوض، احترام، سوء أدب، حبّ وكُره، صداقة وعداء، أمانة وغش، وقس على ذلك.
وعلى أساس هذه المنظومة القيمية يتعلم الإنسان كيف يعيش داخل الجماعة، وكيف يميز بين السلوك المقبول والسلوك المدان. ولهذا فإن القيم تؤدي وظيفة أساسية في تنظيم الحياة الاجتماعية، لأنها تمنع العلاقة بين البشر من الانحدار إلى الفوضى والعدوان.
غير أن المشكلة تبدأ حين تنفصل القيم عن وظيفتها وتتحول إلى خطاب متناقض مع الممارسة العملية
فلما كانت القيم في أصلها وفصلها ثمرة من ثمرات وعي البشر بما يجب أن تكون العلاقة بينهم، فأي تناقض بين المنظومة القيمية والخطاب القيمي من جهة والسلوك المتناقض مع هذه المنظومة والخطاب يولد زعزعة الاعتراف بوظيفة القيم الإنسانية المعشرية.
فالعلاقة بين وجود القانون والالتزام بسلطته تشبه إلى حد كبير العلاقة بين القيم والالتزام بالقيم مع فارق مهم ألا وهو امتلاك سلطة القانون حق عقوبة من يخترقه، بينما ليس لعالم القيم سلطة من حقها معاقبة اختراقها.
فالوطنية مثلاً قيمة أخلاقية عليا تقوم على حب الوطن. فالقانون لديه سلطة عملية لمعاقبة من تورط بالخيانة الوطنية كأن يكون جاسوساً لدى دولة معادية. لكن حب الوطن من حيث هي قيمة أخلاقية ليس لديه قانون لمعاقبة من يعبر عن شعوره بكُره الوطن بحجة أيديولوجية.
وهذا هو الفرق بين النقد حباً بالوطن والتعبير عن شعور سلبي تجاه الوطن.
نعود إلى الفكرة المركزية: التناقض بين الخطاب القيمي والممارسة القيمية. ينظر مفهوم الكرامة، كرامة الإنسان، بوصفه أهم مفهوم من مفاهيم القيم الأخلاقية، بل هو المفهوم المركزي لعالم القيم، ولهذا فالحفاظة على الكرامة مبدأ أخلاقي يعترف بقيمة الإنسان بمعزل عن جنسه ولونه وعرقه ومعتقده والحفاظ على حقوقه. وهناك فرق كبير بين قيمة تحفظ كرامة الإنسان، وقيمة تستخدم لإذلاله، بين قيمة تنظم العيش المشترك، وقيمة تصادر حق الفرد في التفكير والاختيار، بين قيمة تعترف بالآخر، وقيمة تطرده وتدينه لمجرد اختلافه.
لذلك فإن السؤال الأساسي: ليس هل القيم موجودة أم لا؟ بل: هل تساعد القيم «الأنا» على تحقيق كرامتها، أم لا؟ هل تجعل الإنسان أكثر حرية وكرامة، أم تجعله تابعاً وخائفاً ومطيعاً؟
القيمة الإيجابية، وفق هذا الفهم، هي التي تخدم الحياة. إنها القيمة التي تحمي الإنسان، وتعترف بالآخر، وتؤسس علاقة إنسانية تقوم على الاحترام والكرامة. أما القيمة القامعة فهي التي تتحول إلى سجن رمزي، يفرض على الإنسان أن يخضع باسم الشرف أو العيب أو المقدس أو العادة أو الجماعة. وهنا لا تعود القيمة فضيلة، بل تصبح أداة قهر.
تظهر خطر القيم حين تفقد بعدها الإنساني. فالإنسان قد يُقمع لا باسم السجن والقانون فقط، بل باسم الأخلاق أيضاً. وقد يُمنع من التفكير لا باسم القوة وحدها، بل باسم العيب والتقاليد. لذلك فإن نقد القيم هو في الوقت نفسه نقد للسلطة، لأن السلطة لا تعمل دائماً بالعنف المباشر، بل تعمل أيضاً عبر المعاني التي تجعل الإنسان يراقب نفسه ويخاف من الاختلاف.
ومع ذلك، لا يمكن القول بأننا أمام نزعة عدمية تجاه القيم، بل نريد تحريرها من استخدامها الأيديولوجي. فالقيم التي لا تؤدي إلى الاعتراف بالآخر، ولا تحمي الحرية، ولا تصون الكرامة، تفقد مشروعيتها الأخلاقية، حتى لو لبست ثوب القداسة أو الشرف أو التقاليد.
لكن المشكلة الجديرة بالنظر هي العلاقة بين القيم والتطور الإجتماعي -التاريخي، واختلاف تعين القيم في التنوع الحضاري.. هذه المشكلة تنشأ من الأجوبة المتعددة عن السؤال الآتي: هل باستطاعة مجتمع أن يستعير قيم مجتمع آخر؟
هل باستطاعة عالم المدينة الجديد أن يحافظ على قيم عالم قديم وما قبل مديني؟
هل القيم في عالم مفتوح على عوالم القيم البشرية عبر وسائل التواصل الإجتماعي التي وفرت الرحلة إلى العالم عبر جهاز لا يتجاوز حجمه حجم الكف؟
فلقد طرح قاسم أمين مشكلة كرامة المرأة في إطار مصطلح تحرر المرأة حين أصدر كتابه الشهير «تحرير المرأة» الصادر سنة 1899 ثم كتاب «المرأة الجديدة» سنة 1900. لكن البنية الاجتماعية آنذاك لم تكن قادرة على الاستجابة لدعوة قاسم أمين، وقد مضى وقت طويل حتى توافرت شروط التغير الاجتماعي ونشوء بنية قابلة لقيم تحرر المرأة في مجالات التعلم والعمل والسفر إلى آخره.
