من حسن حظّ مجتمعات النّظام الدّيمقراطيّ (في الغرب خاصّةً) أنّها أنجبت ثقافة حيّة ما فتئت تُخْضع أشياءَ تلك المجتمعات وظواهرَها، والكثير الكثير من الأفكار واليقينيّات السّائدة فيها، إلى نقدٍ عميقٍ يَفحصُ عنها ويراجعُها، وأحياناً ينسف أساساتها. ما كان للنّظام الدّيمقراطيّ نفسِه، ولا لأساطير السّياسة كلِّها، أن تُفْلِت من هذا الاختبار النّقديّ، الفكريّ والسّياسيّ، الذي أطلقتْهُ الأزمةُ والوعيُ اليقِظ بها، والذي طال أيَّ موضوع وضعتْه اليقينيّات السّائدة في حكم الشّأن المقدَّس الذي لا تُنْتهَك حرمتُه، ذلك أنّ نقائض النّظام الدّيمقراطيّ وتناقضاته - كنظامٍ يعاني أحوالاً من العُسر الذّاتيّ - طفحت إلى الحدّ الذي ما عاد ممكناً معه حجْبُ حقيقةِ تأزُّمه والحاجةِ الحيويّة إلى وضع كيانه موضع معايَنةٍ وفحصٍ نقديّين.
ولقد تكون وجوه نقد النّظام الدّيمقراطيّ، في الفكر السّياسيّ الغربيّ الحديث والمعاصر، من الكثرةِ بحيث تفيض عن العدّ والحصر، لكنّ بعضَ ما هو في حُكْم الأبرزِ منها والأهمِّ تمثيلاً يمكن حصْرُهُ وتعيينُه وبالتّالي، يجوز الاستدلال به على تلك الرّوح النّقديّة التي وَسَمت الفكر السّياسيّ. نسوق، من باب التّمثيل لوجوه القصور في نظام الدّيمقراطيّة المطبَّق (الدّيمقراطيّة التّمثيليّة)، أمثلةً نقديّةً ثلاثة نحسب أنّها رئيسَة وجذريّة:
أوّلها انبناءُ هذا النّظام على فكرة التّمثيل، الذي به ينتقل التّفويض من صاحب السّلطة (الشّعب) إلى مَن ينوب مَنابَه، مع ما يفرضه إجراءُ ذلك التّمثيل وإخراجُه إلى الوجود السّياسيّ والمؤسّسيّ من آلياتِ تنفيذٍ تتجسَّد في الاقتراع والتّصويت. يعلم الجميعُ، في هذا النّطاق، أنّه ليس في نموذج الدّيمقراطيّة التّمثيليّة من سبيلٍ إلى تصنيع عمليّة التّمثيل إلاّ من طريق تكريس صناديق الاقتراع آليةً وحيدة لذلك، غير أنّ النّظر إلى الدّيمقراطيّة بوصفها حالةً سياسيّة تمثيليّة خارجة من رحم صناديق الاقتراع، والتّسليمَ بذلك من طريق التّسليم بالنّتائج و- من ورائها - بِ «صحّة» التّمثيل، قد يأخذ الوعيَ السّياسيّ المسكون بهذا النّوع من الدّيمقراطيّة إلى حالةٍ من تقديس صناديق الاقتراع، فيما نحن نعلم - على وجه القطع- أنّ صناديق الاقتراع لا تترجم، على وجْه التّحقيق والدّقّة، واقعَ التّوازنات الاجتماعيّة والسّياسيّة في المجتمع (بل تعكس خريطة القوّة النّاخبة حصراً)، ونَعْلم بالتّالي، أنّ صناديق الاقتراع حمّالةُ أوجُه، فقد تأتي بالغثّ كما تأتي بالسّمين.
ثانيها حالُ العُزوف السّياسيّ العموميّ عن المشاركة في الاقتراع والتّصويت في الانتخابات النّيابيّة والمحليّة أو في الاستفتاءات العامّة. يردُّ هذا العزوف عن التّصويت إلى عزوفٍ عن المشاركة في الحياة العامّة إجمالاً، بما في ذلك الامتناع عن المشاركة في المؤسّسات الحزبيّة والنّقابيّة والمدنيّة من طريق الانتماء إليها والعمل في أطرها.
بات هذا العزوف يُلْحَظ على نطاق واسع في دول الغرب، خاصّةً في أوروبا، في العقود الأخيرة، وليس يَخْفى أنّ الدّافع إليه هو الشّعورُ المتزايد بالإحباط العموميّ من النّخب السّياسيّة ومن برامجها ووعودها الانتخابيّة التي لا تتحقّق، كما أنّ فقدان الثّقة بالمؤسّسات التّمثيليّة والتّنفيذيّة يزيد من ترسيخه في المزاج العامّ. رُبَّ قائلٍ يقول إنّ ظاهرة العزوف السّياسيّ هذه ليست حديثةَ الوجود، بل عريقةٌ جدّاً أفصحت عنها بيئاتٌ سياسيّة غربيّةٌ عديدة، معارِضة للنّظام، لم تكن تعترف بشرعيّة المؤسّسات المنتَخَبة ولا بشرعيّة الدّيمقراطيّة التّمثيليّة.
أمّا ثالثها فانقلابُ الدّيمقراطيّة التّدريجيّ على نفسها من طريق إنجاب نقائضها السّياسيّة من نخبٍ تتوسّل أدواتها للصّعود، ثمّ لا تلبث أن تنقضّ عليها، بعد ذلك، مستبدلةً أنظمةً ديكتاتوريّة أو «كلاّنيّة» بها. حصل هذا، ابتداءً، في ألمانيا غداة وصول النّازيّة وحزبها إلى السّلطة، ونَجَم عن ذلك ما نَجَم من الدّواهي التي أتت على أخضر السّياسة والحياة ويابِسهما بوخيم العقابيل لِتتركَهُ قاعاً صفصفاً، وها هي تهدِّد، اليوم، بتكرار نسخةٍ ثانيّة جديدة للنّازيّة ممثَّلة، هذه المرّة، في قوى اليمين العنصريّ المتطرّف وأضرابها من قوى النّازيّين الجدد. مرّةً أخرى ما من تفسيرٍ لمثل هذا الانقلاب على الدّيمقراطيّة، بأدواتٍ ديمقراطيّة (الاقتراع)، إلاّ ما أومأنا إليه قبْلاً من قيام نموذج الدّيمقراطيّة على اختزال التّمثيل في الاقتراع وفي تصويتٍ نسبتُه غيرُ تمثيليّة في الغالب.
