تلقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال أسبوع واحد عدة صدمات قانونية وتشريعية تكشف مدى نفوذه الذي بدأ يهتز جراء سياسات وممارسات أفقدته كثيراً من شعبيتة، كما خلخلت قاعدته الحزبية التي بدأت تعاني انقساماً سوف يؤثر بالتأكيد في نتائج الانتخابات النصفية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل وإمكانية خسارة الجمهوريين الأكثرية في مجلسي الشيوخ والنواب.
حاول الرئيس ترامب إقالة ليسا كوك عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) من منصبها، لكنه تلقى هزيمة قانوية صاعقة، بعدما رفضت المحكمة العليا يوم أمس الأول طلب إقالتها، ما يعني أن كوك سوف تبقى في منصبها، حيث أشار أغلبية القضاة إلى تقليد أمريكي ممتد لأكثر من 200 عام يقوم على استقلال البنك المركزي عن التأثيرات السياسية، مؤكدين أن هذا الاستقلال عنصر أساسي للحفاظ على الثقة في السياسة النقدية والاستقرار المالي.
وكانت كوك رفعت دعوى قضائية ذكرت فيها أن الرئيس الأمريكي «لا يملك سلطة إقالتها من منصبها، وأنه انتهك قانوناً اتحادياً يمنع الرئيس من عزل أعضاء البنك المركزي إلا لوجود سبب»، وذلك عندما اتخذ الخطوة غير المسبوقة في 25 أغسطس (آب) الماضي بإعلانه إقالتها من منصبها.
الهزيمة الثانية التي تلقاها ترامب، تمثلت في رفض المحكمة العليا الأمريكية قبل يومين طلباً تقدم به لمراجعة حكم قضائي مدني يلزمه دفع خمسة ملايين دولار للكاتبة جين كارول، بعد أن خلصت هيئة محلفين عام 2023 إلى مسؤوليته المدنية عن الاعتداء الجنسي عليها، والتشهير بها، بعدما فشلت جميع محاولات ترامب للطعن في الحكم وانتهت بالفشل.
لكن الهزيمة الأكبر التي واجهها ترامب فكانت في الكونغرس، عندما وافق على قرار مشترك يوجه ساكن البيت الأبيض بإنهاء «نزاع عسكري خارجي» ضد إيران، وذلك للمرة الأولى منذ صدور «قرار صلاحيات الحرب» أثناء الحرب الفيتنامية عام 1973، وهو القانون الذي يعتبر من أبرز الأدوات التي يستخدمها الكونغرس في محاولة لتقييد قدرة الرئيس ترامب على خوض عمليات عسكرية من دون تفويض واضح، لكن الإدارات الأمريكية المتعاقبة غالباً ما تعاملت مع هذه القيود بوصفها محل نزاع دستوري، متمسكة بصلاحيات الرئيس كقائد أعلى للقوات المسلحة، وجاء إقرار القانون بدعم 4 أعضاء جمهوريين انضموا إلى الديمقراطيين خلال التصويت، إذ حظي بتأييد 50 عضواً مقابل 48 عضواً، وصوّت لصالح القرار كل من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين ليزا موركوفسكي، وسوزانى كولينز، وراند بول، وبيل كينيدي. لكن رغم أن هذه الخطوة غير المسبوقة تفرض قيوداً على قرار الرئيس إلا أنه يفتقد صفة الإلزام القانوني طالما يحتفظ الرئيس بصلاحيات دستورية واسعة باعتباره «القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلا أنه يعكس مدى القلق داخل المؤسسة التشريعية حيال استمرار لجوء الإدارة الأمريكية إلى استخدام القوة في علاقاتها الخارجية وشن الحروب ضد الدول التي لا تؤيد سياساتها، والمطالبة بزيادة تمويل الحرب.
من الواضح أن ترامب الذي وصل إلى البيت الأبيض على صهوة حصان جامح حاملاً معه شعار «أمريكا أولاً» مع دعم شعبي تمت تجربته في السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وإدارة اختارها من صفوة المقربين منه، بدأ يفقد القوة والزخم، وبات يحكم بأدوات خارج الأطر القانونية والدستورية المعتادة باللجوء إلى «الأوامر التنفيذية».