الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
النشر الإلكتروني العربي يتركز في أمهات المصادر والمراجع

مريم الشناصي: التحول الرقمي وجبات معرفية سريعة

2 يوليو 2026 14:51 مساء | آخر تحديث: 2 يوليو 15:03 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
د. مريم الشناصي
د. مريم الشناصي
icon الخلاصة icon
النشر الرقمي العربي غالباً بيع لورقي؛ الحضور الرقمي يتركز في التراث والمراجع؛ تحديات السوق تتطلب نماذج مرنة وهيكلة شاملة
لا تزال إشكاليات النشر الرقمي وصناعة المحتوى في المشهد الثقافي العربي، تفرض نفسها كأحد أبرز التحديات التي يواجهها الكتاب والناشرون، على حد سواء، وفي ظل تحولات فرضتها التكنولوجيا وتغير أنماط الاستهلاك الثقافي، يجد الفاعلون في هذا المجال أنفسهم أمام ضرورة إعادة التفكير في نماذج النشر التقليدية، وتطوير استراتيجيات جديدة قادرة على التكيف مع البيئة الرقمية، وتعزيز حضور المحتوى العربي في الفضاء العالمي.
«الخليج» حاورت د. مريم الشناصي، لتسليط مزيد من الضوء على هذه التحولات، ورصد انعكاسات التطورات الرقمية في سوق النشر العربي.
تؤكد د. مريم أن ما يُتداول عربياً تحت مسمى «النشر الرقمي»، لا يعكس بالضرورة تحولاً حقيقياً في بنية الكتاب، بقدر ما يشير في كثير من الأحيان إلى آليات بيع إلكترونية لمنتج ورقي تقليدي، فالكتاب، بحسب توصيفها، لا يزال ينتج في صورته الورقية، بينما تقتصر الرقمنة على وسيلة الشراء أو التوزيع، ما يكشف عن فجوة بين التطور التقني والبنية الفعلية لصناعة النشر في العالم العربي.
وفي مقابل هذا النمط، تشير إلى أن الحضور الفعلي للكتاب العربي في الفضاء الرقمي يتركز أساسا في أمهات الكتب والمراجع التراثية، التي جرى تحويلها إلى صيغ إلكترونية متاحة، غالباً بشكل مجاني، وتشمل هذه المواد المعاجم، والدراسات اللغوية، والمصادر الكلاسيكية، غير أن هذا التحول، كما ترى، لا ينطبق بالدرجة نفسها على الإصدارات الحديثة، حيث لا تزال الدراسات الجديدة والأبحاث المعاصرة خاضعة لنماذج نشر تقليدية، أو تتاح رقمياً في شكل جزئي عبر ملخصات مدفوعة.

* مقارنة


تلفت د. مريم الشناصي إلى أن المقارنة المتكررة بين الكتاب العربي ونظيره الغربي، خصوصاً المكتوب باللغة الإنجليزية، تكشف عن تباين واضح في مسارات التحول الرقمي، ففي حين قطعت صناعة النشر الغربية شوطاً كبيراً في تطوير نماذج رقمية متكاملة، لا يزال الكتاب العربي الحديث مرتبطاً إلى حد كبير بالصيغة الورقية، حيث بنية السوق لم تستكمل بعد أدوات التحول الرقمي.
وفي هذا الإطار، ترفض د.مريم الطرح القائل بأن المنصات الرقمية سحبت البساط من الكتاب، مؤكدة أن الأخير لا يزال يحتفظ بمكانته، لا سيما في مجال الإصدارات الجديدة، وترى أن المشهد القرائي في العالم العربي لا يمكن اختزاله في ثنائية الورقي مقابل الرقمي، فالسوق العربي يتوزع على فئات متعدّدة من القراء، تشمل الباحثين، والأكاديميين، ومحبي الرواية والشعر، ولكل من هذه الفئات أنماطها الخاصة، ما يفسر استمرار الطلب على الكتاب رغم تصاعد حضور الوسائط الرقمية.
وتشير إلى أن بعض الناشرين بدأوا بتبني نماذج إنتاج أكثر مرونة، من بينها الطباعة الرقمية حسب الطلب، حيث تنتج نسخ محدودة من الكتاب وتتم إعادة الطباعة بناء على حجم الإقبال. ويعكس هذا التوجه، بحسب الشناصي، محاولة للتكيف مع تقلبات السوق وتقليل المخاطر المالية، من دون التخلي عن القيمة الرمزية والمعرفية للكتاب الورقي.
غير أن هذا التوازن يظل هشاً في ظل التحولات التي يشهدها المحتوى الثقافي على المنصات الرقمية، فبحسب الشناصي، لا تعبر هذه المنصات بالضرورة عن توسع حقيقي في الثقافة، بقدر ما تعكس ميلاً متزايداً نحو اختزال المعرفة، وتقديمها في صيغ سريعة الاستهلاك، وتشبه هذا النمط بما يمكن تسميته «الوجبات المعرفية السريعة»، التي تقدم معلومات مكثفة ومبسطة، لكنها تفتقر إلى العمق والتراكم المعرفي.
 وتضيف أن هذا التحول يرتبط بتغيرات أوسع في سلوك التلقي، حيث أصبح الهاتف الذكي وسيطا يجمع بين مصادر المعرفة والترفيه، ما أدى إلى تراجع الزمن المخصص للقراءة المتأنية، مقابل صعود أنماط استهلاك سريعة ومجزأة. وفي هذا السياق، ترى أن التحدّي يكمن في طبيعة المحتوى ذاته، ومدى قدرته على الحفاظ على عمقه وهويته الثقافية.
وعلى مستوى الاقتصاد الثقافي، تقدم د. مريم الشناصي تشخيصاً نقدياً لوضع صناعة النشر في العالم العربي، مشيرة إلى أن أغلبية الناشرين لم يتمكنوا من تحقيق معادلة متوازنة بين جودة المحتوى والعائد المالي، وتوضح أن هناك تجارب محدودة نجحت في تحقيق هذا التوازن، غالباً عبر الاستثمار في الترجمة أو تطوير نماذج عمل احترافية، إلا أن هذه الحالات تبقى استثناء.
 وتلفت إلى أن كثيراً من دور النشر تعتمد على معارض الكتب كمصدر رئيسي للإيرادات، ما يجعلها عرضة لتقلبات موسمية، ويحدّ من قدرتها على التخطيط طويل المدى، كما تشير إلى أن مفهوم «اقتصادات الثقافة» لا يزال في طور التشكل في العالم العربي، في ظل غياب سياسات واضحة تدعم تحويل الثقافة إلى قطاع إنتاجي مستدام.
وفي ضوء هذه التحديات، تؤكد أن مستقبل النشر الثقافي العربي لا يمكن أن يقوم على حلول جزئية، بل يتطلب إعادة هيكلة شاملة للمنظومة، تشمل أنماط الإنتاج والتوزيع والتسويق، إضافة إلى الأطر المؤسسية التي تنظم العمل الثقافي.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة