الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

هل الدورات الاقتصادية مجرد أوهام؟

4 يوليو 2026 22:01 مساء | آخر تحديث: 4 يوليو 22:01 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لطالما كانت الدورات الاقتصادية مصدر فضولٍ على مرّ القرون. فقد عزاها بعض الاقتصاديين إلى اضطرابات شمسية، بينما عزاها آخرون إلى دورات تاريخية - مثل دورة كوندراتيف (موجات تتراوح بين 45 و60 عاماً)، ودورة جوغلار (موجات تتراوح بين 7 و11 عاماً)، ودورة كيتشن (موجات تتراوح بين 3 و5 أعوام). هذه الآراء ليست حكراً على فئة معينة أو شخصيات مغمورة؛ بل تبناها اقتصاديون مرموقون، من أمثال ويليام ستانلي جيفونز وجوزيف شومبيتر.
ويُعدّ كتاب تايلر غودسبيد «الركود: الأسباب الحقيقية لانكماش الاقتصادات وكيفية التعامل معه» مرجعاً أساسياً لكل من يتابع دورات الأعمال والأسواق المالية والنمو الاقتصادي. يقدم الكتاب عرضاً شاملاً لتاريخ الاقتصاد الأمريكي والبريطاني. وبفضل بحثه الدقيق، يزخر الكتاب بالبيانات والتحليلات والقصص الشيقة عن الممولين والاقتصاديين والسياسيين، وحتى بعض المحتالين.
أعترف أن هذا الكتاب قد غيّر نظرتي إلى دورة الأعمال أكثر من أي كتاب آخر قرأته. بل إن غودسبيد يجادل بأن مصطلح «دورة الأعمال» نفسه مضلل. فالاقتصادات لا تعمل وفق أنماط أو دورات يمكن التنبؤ بها. وقد كتب: «لا تموت فترات الازدهار الاقتصادي من تلقاء نفسها، بل تُقتل».
وتتمحور فكرة الكتاب الرئيسية حول أنه لا توجد أسباب طبيعية أو حتمية تجعل الاقتصادات المتقدمة الحديثة تمر بفترات ركود. يقول غودسبيد، الذي يشغل حالياً منصب كبير الاقتصاديين في إكسون موبيل، إن هناك دائماً صدمات حقيقية وراء فترات الركود الاقتصادي، وليست مجرد تراكم للاستثمارات الخاطئة، أو تفاؤل مفرط غير عقلاني، أو انهيار ذاتي. ويستشهد بمقولة تولستوي الشهيرة: «كل عائلة سعيدة سعيدة بنفس الطريقة، بينما كل عائلة تعيسة تعيسة بطريقتها الخاصة».
لذا، يُشير إلى أن كل ركود اقتصادي فريد من نوعه. فقد يكون جفافاً، أو غزواً للجراد، أو حرباً، أو موجة برد غير معتادة، أو إضرابات واسعة النطاق، أو أي عدد من الصدمات السلبية الأخرى.
جادل اقتصاديون نمساويون مثل ميزس وهايك، ولاحقاً غاريسون وروثبارد وودز، بأن التوسع المصطنع للائتمان عبر البنوك المركزية يشوه إشارات الأسعار المتعلقة بالاستثمار ومدته وقطاعه، ما يخلق استثماراً خاطئاً وازدهاراً غير مستدام يؤدي إلى انهيار حتمي. وقد أنتج روس روبرتس وجون بابولا مقاطع فيديو مميزة تصف النقاش بين هايك وكينز حول الدورات الاقتصادية. يرى أحدهما أن الركود الاقتصادي ناتج عن سوء الاستثمار، بينما يرى الآخر أنه ناتج عن قلة الإنفاق.
وكلاهما خاطئ، بحسب غودسبيد. فمعظم المناهج المتبعة في دراسة أو التنبؤ بالدورات الاقتصادية - سواء أكانت ناتجة عن الإفراط في الاستهلاك، أو الإفراط في الاستثمار، أو سوء الاستثمار، أو تشوه مؤشرات الأسعار، أو الأزمات المالية - تقع في فخ التبسيط المفرط للحالات التاريخية للانكماش الاقتصادي. ولا تصمد هذه الأطر عند دراسة جميع حالات الركود في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على مدى القرون الثلاثة الماضية.
بفضل إلمامي بتاريخ الاقتصاد ودورات الأعمال، تعرفتُ إلى العديد من حالات الركود التي يُسلط عليها غودسبيد الضوء، مع أنه يتناول أيضاً عشرات حالات الانكماش الطفيفة التي لا يلاحظها عادةً إلا المتخصصون في تاريخ الاقتصاد. وفي الحالات الكبرى للانكماش والتراجع الاقتصادي، يناقش تحولات السياسة النقدية والأزمات المالية التي رافقتها - وهي نفس النقاط التي يتوقف عندها العديد من منظري دورات الأعمال عند تحليلهم.
ومع ذلك، في كل حالة تقريباً، تسبق الصدمات المادية الكبيرة - التي غالباً ما تشمل الطاقة أو الغذاء أو النقل - أو تصاحب الضائقة المالية والنقدية. إذن تكمن وراء «سوء الاستثمار» ونظريات دورات الأعمال التقليدية، صدمات حقيقية لا يمكن التنبؤ بها.
يتوافق هذا إلى حد كبير مع أطروحة الاقتصاديين الكلاسيكيين الجدد. ففي هذا الرأي، تُعزى حالات الركود والتقلبات الاقتصادية في المقام الأول إلى صدمات مادية حقيقية، بينما تظهر الاضطرابات المالية والنقدية كآثار ثانوية.
يقدم كتاب «الركود» سرداً قوياً وسهل الفهم للتاريخ الاقتصادي، ويطرح ادعاءات مهمة حول النمو الاقتصادي والانكماش وطبيعة الاقتصادات الحديثة. إنه كتاب مقنع للغاية. ومع ذلك، لستُ مستعداً تماماً للتخلي عن نظرية الدورة الاقتصادية.
إن غياب نمط أو انتظام يمكن التنبؤ به بين فترات ازدهار الائتمان وفترات الركود لا يعني أنهما لا يلعبان أي دور. قد تظل هذه العوامل مهمة كآلية لنقل العوائد ومصدر للهشاشة المالية. ويؤكد غودسبيد نفسه على أهمية المؤسسات السليمة، بما في ذلك أسعار السوق الحر والإدارة الفعالة للمخاطر المالية وتوزيعها، في التخفيف من حدة فترات الركود.
ليس من قبيل المصادفة أن العديد من القصص التي يرويها تتمحور حول التوتر والذعر أو الفشل داخل النظام المالي. قد يكون صحيحاً أن «سوء الاستثمار» ليس المحرك الرئيسي لتقلبات دورة الأعمال، لكن الرافعة المالية والإشارات المشوهة لا تزال ذات أهمية. في الوقت نفسه، فإن تحذير غودسبيد من غطرسة التنبؤ بالسوق جدير بالاهتمام.
ويتضح مما سبق أن الاقتصاد ليس معقداً للغاية بحيث يصعب التخطيط له فحسب، بل يصعب التنبؤ به أيضاً.
*باحث أول في المعهد الأمريكي للأبحاث الاقتصادية، وأستاذ الاقتصاد في كلية كينغز في مدينة نيويورك «ريال كلير ويرلد»

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة