واقعنا المعيشي يعتمد على تسديد الكثير من الالتزامات المالية، التي تأتي في شكل فواتير دورية، البعض من تلك المصاريف تقليدية ومعتادة، مثل فواتير الخدمات، كالكهرباء والماء والهاتف ونحوها، ولا ننسى الالتزامات المتعلقة بمشتريات الأطعمة والملبس وغيرها، والبعض قد يضطر لطلب قرض مالي من المصرف الذي يتعامل معه، لتسديد التزامات طارئة وملحة، مثل شراء منزل العمر، أو للدخول في مشروع تجاري يستطيع من خلاله زيادة دخله الشهري.
لكن غير المفهوم، أن يتسبب الفرد لنفسه بأزمة مالية، نتيجة شراء سلعة غير ملحة وباهظة الثمن، مثل أن يتوجه إلى الاستدانة وتحميل نفسه أعباء قرض يسدده شهرياً على امتداد عدة سنوات، ليصرف هذا المال في رحلة سياحية، أو شراء سيارة فارهة تنخفض قيمتها السوقية في كل يوم من عمرها.
هذه جميعها، سواء تسديد الفواتير الحتمية الدورية للخدمات الحياتية الملحة، أو تسديد الالتزامات المالية وصرف المال على جوانب كمالية استهلاكية، تقع في زاوية المصاريف الواضحة التي لا فكاك منها ولا عنها، ومع أن هذه المصاريف تنقسم إلى قسمين: الأول تلك التي هي ملحة وبديهية وجميعنا يسددها كفواتير الخدمات، أما الثاني فهي الالتزامات التي نحن ملزمون بتسديدها، لكن فاتورتها لم تكن ملحة ولا ضرورية، ونحن من توجهنا نحوها بالاستدانة وطلب قرض مالي لتصبح واجبة التسديد في نهاية كل شهر، هذه جميعها التزامات مالية واضحة، لكن هناك التزامات مالية غير واضحة، ونستطيع تسميتها بالصامتة، وهذه تُدفع للمنصات الترفيهية، مثل الاشتراك في القنوات سواء الرياضية أو قنوات الأفلام ونحوها، وفي تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومساحات التخزين السحابي، والنوادي الرياضية، وغيرها الكثير، وإن أمعنا النظر وتوقفنا قليلاً، فإننا نجد كماً هائلاً من الالتزامات الشهرية، بسببها تُخصم أموال تلقائياً من حساباتنا المصرفية.
من هنا نجد محورين يؤثران تماماً في السلامة المالية والأمان المالي للفرد، أولهما القروض المبسطة إجراءاتها والتي تم تصميمها لتشجيع الفرد على شراء سلع استهلاكية لا أكثر، أما ثانيهما فهي الفواتير الجديدة التي نراها متدنية القيمة، ولكن عند جمعها نجدها تشكل مبلغاً كبيراً، ولا علاج سوى الوعي والمعرفة بكيفية إدارة المال. مشكلة الهدر المالي أنها تؤثر في جودة حياتك وتجلب القلق والهم والتوتر، وهي عوامل كافية للإصابة بالمرض النفسي، وإن كنت رب أسرة، فإن الأثر يمتد لأطفالك. الإدارة المالية هي قرار ووعي، وليست مجازفة، ولا هي فوضى وصرف دون حسيب ولا رقيب..
