أمس تناولت خطبة الجمعة موضوعاً مهمّاً، وهو التذمّر من الصيف وحرارته؛ وهو بالمناسبة سلوك مستجد لم نعهده من قبل ولم نتربّ عليه، عندما كان هذا الجزء من العام كغيره من الأجزاء له طقوسه وجماليته، لكننا اليوم وفي عصر المحتوى الذي دهمنا من كل حدب وصوب، بتنا نرى العجيب والغريب ونتعرض لأطروحات غاية في السطحية، لكنها تؤثر، ولا تجد، بكل أسف، من يتصدى لها.
وفي الحقيقة فإن الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة، تهتم بكل الظواهر وتعالجها في خطب الجمعة، لتكون مواكبة للمجتمع واهتماماته وما يتعرض له حتى لو كانت في نظر بعضهم، مجرد تفاصيل صغيرة؛ لكن التوجيه والإصلاح والتصحيح يؤتي ثماره. وكما أشارت الخطبة فإن العاقل يجعل الصيف فرصة يغتنمها، فيضع لنفسه هدفاً يحققه، وعملاً ينجزه؛ فكم من إجازة انقضت، من دون أن يزداد المرء فيها علماً، أو يكتسب خبرة، أو يصنع في حياته أثراً.
الموضوع ليس مجرد تذمّر من الحرّ وتصوير درجة الحرارة في السيارة، بل إن خلفه اعتراضاً لا يليق، خاصة أنه موسم اعتدنا عليه وكبرنا، وكنّا ننتظره بفارغ الصبر خاصة للإجازات التي ينتظرها الجميع؛ فماذا تغيّر؟ ولماذا تركنا عقولنا تتلوّث بسبب ذلك المحتوى، ولم نسع لتصحيحه وتصويب هذا الاعتراض غير المقبول؟ وكان أهلنا سابقاً يقرنون الصيف بالخير وموسم الرطب وينتظرونه على أحرّ من الجمر.
في الخطبة تساؤل جميل يقول: وما لنا ألا نرحّب به وهو موسم من مواسم الله؟ لا يجوز سبّه ولا التأفّف منه؛ وكيف نتأفف منه؟ وقد أودع الله فيه الكثير من النعم والعطايا، فهو موسم الإجازات، ومتّسع الأوقات، وتلك نعمة عظيمة يغفل عنها كثير من الناس؛ ألم يقل النبي : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس.. الصحة والفراغ».
في الصيف عليك أن تستشعر النعم من حولك والإمكانات التي تتوافر لك من كهرباء وتبريد ووسائل انتقال مكيّفة وأسواق، وتفخر بجهود المبادرات التي انطلقت لحماية العمال في الأماكن المفتوحة والاستراحات المكيّفة لعمال التوصيل.. والكثير الكثير الذي يستحق منّا الشكر، كما أشارت الخطبة. فإن دولتنا الغالية قد هيأت للصيف أسباب الراحة والطمأنينة؛ فوفرت الظل الظليل، والمساكن الطيبة، والمرافق الآمنة، والخدمات الميسرة، تأملوا - رحمكم الله - كيف ينتقل الإنسان من سيارة مكيّفة، إلى مقرّ عمل مكيف، ثم إلى مسجد مكيّف، ثم يعود إلى بيت مكيّف؛ نِعمٌ متتابعة ألفناها، حتى غفل كثير منا عن قدرها، وقلّ من يستشعر عظيم فضل الله فيها. ثمة أمور تحتاج إلى تدخل تصحيحي سريع حتى لا تغدو سلوكاً عاماً أو تتحول ظاهرةً.. واستشعار النعم أمر مهم جداً علينا أن نغرسه في نفوس أبنائنا حتى لا تصل الأمور بهم جحد النعم من حولهم.
