الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
رفيف

ورق بردي.. جلود وخيزران

6 يوليو 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 6 يوليو 00:07 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
كانت الكتابة على ورق البردي في مصر القديمة على أيدي نسّاخين وخطّاطين لم يعرفوا أنهم كانوا ينجزون فناً راقياً وهم يحّولون لفائف الورق إلى مخطوطات تحفظ الذاكرة والتاريخ.
وفي مخيلتي أن البردي ورق هشّ، خفيف، ورقيق الملمس، ومع ذلك يتحوّل إلى مخطوطة تعيش آلاف السنوات، وفي عصر طباعة الكتب الحديثة أخذت بعض دور النشر تحاكي البردي في لونه ولفائفه الفنية التي هي في حد ذاتها عمل فني.
في تاريخ الأدب الصيني وجدت ما يقابل البردي في مصر، وهي شرائح الخيزران التي كتب عليها الصينيون القُدامى أشعارهم وآدابهم، والكتابة على الخيزران هي أيضاً عمل فني اخترعته مخيّلة شعراء أقصى شرق العالم، وقرأت عن شاعر صيني اسمه: (زهان غو سيه) كتب على الخيزران ما يُسّمى آنذاك مجموعة تمارين في البلاغة والبيان على طريقة تمارين الفصاحة المعروفة في معظم لغات العالم ترجمة: د. محمد حمَّود.
وفي عام 281 ميلادية عُثر في قبر يعود إلى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد على شرائح خيزرانية تمثل أولى المحاولات الروائية في الصين «المترجم نفسه: معجم الأدب الصيني».
أوّل رقاع الكتابة عند العرب كانت الجلود، وكتبت بعض الشعوب نصوصها الأدبية والتشريعية على المسلّات، وصفائح البرونز والخشب، وهي أيضاً، ومع مرور الزمن تحوّلت إلى أعمال فنية، أما الخطّاطون فهم دائماً مجهولون، وربما كانوا عمالاً مستأجرين لوظيفة الخط، لا بل، إن الكثير من الكتّاب هم مجهولون أيضاً، ولم يبق بعد هذا المجهول سوى الأثر الفني الذي يتكثف في مخطوطة أو في قطعة جلد، إلى أن ظهر الورق والحبر على يد الصّينيين، ثم ظهرت الكتب التي حملت بين أغلفتها روح الحضارات والثقافات.
قصة الكتابة هي قصة الحضارة من البردي، إلى الخيزران إلى الجلود إلى الورق. ثم الآن، من المخطوطة إلى الشريحة الإلكترونية، ومن القلم والحبر إلى (الكيبورد) والكمبيوتر البارد، الأصمّ، أما كاتب هذه السطور، فإنه يجد نفسه خارج السرب، ما زال يبحث عن ذاكرة البردي وشرائح الحيزران، هناك في البعيد الزمني يجد تراثه وأرواح جدوده الأوائل، وهم يسنّون رؤوس الأقلام، ويفردون الورق على اتساعه بكرم وانبساط ورحابة...
في عام 1995 أكتب على ورق الجريدة المتبقّي من قطع المطبعة في الدستور، ومنذ 2008 أكتب على ورق جريدة «الخليج» المتبقي أيضاً من قطع المطبعة التي ترسل أحياناً رائحة الحبر هنا في الأفق المجازي للبردي والخيزران في حين لا تخرج هذه الصورة اليومية عن كونها عملاً فنياً يشبه عمل ذلك الخطاط المصري، أو الصيني القديم.
قصة الكتابة، هي قصة الحبّارين العتيقين، لا قصة كتّاب السندويتش والميني كمبيوتر إنترنت...
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة