قبل أكثر من خمسة عشر عاماً كتبت بشغف في «الخليج الثقافي» في مناسبة إطلاق مترو دبي، وبالطبع، كانت كتابة ذات طابع ثقافي جمالي تتوازى في شفافيتها مع الحدث، ومع صورة المترو بوصفه وسيلة مواصلات، وبوصفه أيضاً مكاناً متحركاً للحضارات والثقافات من خلال «جسم» المترو نفسه الذي يتجاوز مفهوم الجسم المادي إلى حيوية الناس، والتقائهم، وحركتهم اليومية في فضاء دبي.
قبل شهور أيضاً، كتبت بالشغف الثقافي نفسه حول قطار الاتحاد، واليوم، في مناسبة إطلاق أولى رحلات الركاب لقطار الاتحاد أكتب بفرح داخلي أشبه بفرح الطفل وهو يشاهد قطاراً للمرة الأولى في حياته أو يرى سفينة في البحر، أو طائرة تقلع في الجوّ.قطار الاتحاد ليس مرحلة نوعية في منظومة النقل البرّي فقط في الإمارات، بل، القطار أيضاً مرحلة نوعية أخرى في منظومة الثقافة في دولة حديثة معاصرة، دولة تعايشية تسامحية لأكثر من مئتي جنسية من جهات العالم الأربع، وقبل هذا وذاك هي دولة أهلها وأبنائها وشعبها الذي عرف جيداً طبيعة بلاده البرّية، والبحرية، والجبلية.عرف الإماراتي طريق السفن في البحر، وعرف المراكب والبواخر والقوارب بكل أسمائها، وبكل المهارة اليدوية المحلية في صناعتها، فهو ابن بحر، وابن غوص، وابن اكتشاف لجوهر الماء وروحه اللؤلؤية.اليوم، يدخل الإماراتي مرحلة القطار ضمن حركته الأرضية الأفقية، وهي حركة مواصلات ذات صلة مباشرة بالمكان وجغرافيته، وهي أيضاً، حركة ثقافات ناجمة عن التقاء الركاب من الإماراتي إلى العربي إلى العالمي الأمر الذي يعطي الإنسان نوعاً من التشارك، في اللغات، من العربية وحتى لغات أكثر من نصف العالم.
أوّل ما تبادر لي في انطلاقة قطار الاتحاد هو أصوات لغات العالم في حجرات أو كابينات القطار، وكيف أن هذه اللغات تصف الجغرافيا الإماراتية من الفجيرة إلى أبوظبي، هذا التنوّع الجغرافي الذي يتدرّج بكل بساطة من بيئة إلى أخرى: من بيئة الصحراء، إلى البحر، ثم الجبال.وبكلمة واحدة ممتلئة أيضاً بذلك الشغف الذي أشرت إليه حين كتبت عن المترو وعن القطار.. هذه هي الدولة الحديثة المدنية الإنسانية التي تعمل في الأرض، وفي الجوّ، وفي البحر.في الجوّ تحيط الإمارات بالعالم كلّه بمنظومة نقل جوي هي الأرقى في صناعة أسرع مواصلات توصل إليها العقل البشري، أكثر أماناً، وأكثر انتظاماً، وأكثر حيوية مهنية على متن أسطول طيران مدني إماراتي رفيع المستوى والأداء، والوظيفة.في البحر، تستقبل الإمارات العالم عبر موانئ أجمل ما يقال فيها إنها موانئ طيور النورس، الرمز الذي يعني الحرية والخفة والجمال.اليوم، في الأرض، أو في البر، ينطلق قطار الحياة الأكثر جمالاً وقوّة.. بالثقافة الإنسانية الواحدة في بلد موحّد على الخير والجمال.
