الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«المونديال».. ساحة سلام فوق الصراعات

7 يوليو 2026 00:29 صباحًا | آخر تحديث: 7 يوليو 00:30 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في ظل نظام دولي يرزح تحت وطأة التعقيدات الجيوسياسية، يبرز «المونديال»، الذي بدأ العد التنازلي لأدواره النهائية، كظاهرة استثنائية تفكك معادلات الصراع التقليدية، فهذا الحدث العالمي يتجاوز أبعاد التنافس الرياضي ليتحول إلى منصة فاعلة للدبلوماسية الشعبية الناعمة، وقادرة على فرض هدنة غير مكتوبة بين القوى المتناحرة.
على المستطيل الأخضر، تتلاشى حسابات القوة العسكرية، وتحل محلها قواعد اشتباك عادلة وقوانين دولية موحدة تحترم الآخر. إن كأس العالم يمثل الملاذ الآمن والواحة الكونية التي تلتقط فيها البشرية أنفاسها، لتثبت أن الشغف الإنساني المشترك قادر على بناء جسور التواصل.
لا شك أن المدرجات وساحات الجماهير تتجاوز ملاعب كرة القدم لتتحول إلى أداة دبلوماسية فائقة التأثير لصهر الفوارق وتقريب وجهات النظر في الوقت الذي تفشل فيه طاولات المفاوضات، إذ يتشارك المشجعون الهتاف والتقاط الصور التذكارية.
وحتى عند الاختلاف في التشجيع تسقط سرديات الكراهية، إذ يقدم المونديال للعالم نموذجاً مصغراً لكيفية إدارة هذا الاختلاف، فتسود القواعد الموحدة، ويُحترم المنافس، ويكون البقاء للأجدر بناءً على الجهد المبذول.
وفي عالم تمزقه النزاعات الجيوسياسية، وتفرّقه لغة المصالح والحروب، تبدو نوافذ الأمل في التقارب ضيقة للغاية. لكن التاريخ يثبت مراراً وتكراراً أنّ منصة «المونديال» قادرة على كسر هذه الحواجز، ولو مؤقتاً.
في هذا السياق، وفي غمرة تلك الصراعات، تأتي أهمية كأس العالم، الذي يمثل «رئة جماعية» يستعيد من خلالها العالم أنفاسه المتقطعة.
إنها اللحظة التي يتنفس فيها العالم السلام، إذ يفتح المجال أمام لغة فطرية يفهمها الجميع، هي لغة الجسد، والشغف، والاعتراف المتبادل.
فلسفياً، يمكن اعتبار المونديال «مساحة بيضاء» في كتاب التاريخ المليء بالصراعات، وبينما تتعثر المحادثات على طاولات التفاوض عبر عدسة الشك والريبة، تفرض الرياضة سياقاً مختلفاً يقوم على «شفافية القواعد».
إن سحر المونديال يكمن في تحويله «الآخر الجيوسياسي» من تهديد يجب محوه إلى منافس يجب احترامه.
صحيح أن كأس العالم لا يملك تفويضاً قانونياً لتوقيع معاهدات السلام، أو صياغة الاتفاقيات، لكنه يمنح «هدنة وجدانية» واختباراً عملياً لإمكانية التعايش وإرساء السلام من أجل الشعوب.
ولا شك، أن هذا التجمع السلمي الكبير يساهم بشكل مباشر في تبديد الصور النمطية والأفكار المسبقة، إنه يعيد أنسنة المجتمعات، حيث يعد التعايش والاحتفال وقبول الآخر القاسم المشترك الأعظم بين البشر.
في الختام، عندما يطلق الحكم صفارته، فإن العالم لا يتابع مجرد صراع على كرة، بل يتابع محاكاة بصرية لكيف ينبغي أن يكون العالم، منافسة شرسة لكنها شريفة، تنتهي بمصافحة دافئة واحترام.
لعل المونديال الذي ينتهي في 19 يوليو/ تموز، يساهم في منح فرصة سياسية نادرة للتراجع خطوة إلى الوراء، والجلوس على طاولات المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وجميع بؤر الصراعات في العالم تحت غطاء اجتماعي وشعبي، ويكون الجسر النفسي الذي يعبر عليه المفاوضون من أجل السلام.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة