يتحسّس كُثر من الحديث في السياسة، خاصة حين يتم ذكر الأسماء والأحداث، بينما لا يتحسسون وهم يتحدثون عن المناهج التعليمية أو الخدمات الصحية، أو الحريات الإعلامية أو توجهات الفضائيات السياسية والثقافية. هل لأن ثمة خطورة قد تنشأ من وراء الحديث في السياسة بشكل مباشر، بينما يسود الاعتقاد بأن لا خطورة حين تتحدث في الرياضة على سبيل المثال؟ هل لأن السياسة تعني الحكم وأنظمة الحكم والقرارات المصيرية والعلاقات الدولية، والتحالفات والقوة والسلام، بينما القطاعات الأخرى كالتعليم والمرأة والطفولة وأساليب التربية تبدو مدنية ومسالمة؟ونعتقد ببساطة أن هذه القناعات والمقاربات غير دقيقة، ولا تحيط بشكل شامل القضايا المراد مناقشتها، وهذه القناعة لا تشكل خطراً على أحد، وهي في الوقت ذاته، قناعات يحكمها التفكير السياسي.
في ظل ثورة الاتصال والتواصل والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، والشبكات العالمية للمعلومات، أصبح الفرد قادراً على الوصول، وبكل اللغات، إلى ما يريد من معلومات، ومواقف وآراء، كما بات الفرد قادراً على إنشاء حسابات مختلفة وبأسماء مستعارة في وسائل التواصل الاجتماعي، والمشاركة على صعيد إقليمي ودولي بالنقاش الدائر حول أي قضية يشاء، وسيستمع إلى كل التوجهات والمعلومات والسياسات، ولا يملك مصادرتها، ولن يطالبه أحد بتصديقها أو الاقتناع بها أو تبنّيها. وبالتالي، نحن نعيش في عالم مفتوح ومترامي الأطراف، نرى كل شيء على حقيقته أو كما تريده الجهة الموفّرة والمصدّرة للمعلومة، ولنا حق الاختلاف أو الموافقة.
إن الحديث عن الحرب الأمريكية الإيرانية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي يشبه الحديث عن جوهر المناهج التعليمية، وسياسات التصنيع، والمناخ، والبيئة، لأن اللاعبين هناك هم اللاعبون هنا، وما يحدث في أرض المعركة، ينعكس على كافة مجالات الحياة، لماذا إذن، يريد الرئيس الأمريكي تغيير النظام الإيراني؟ لأنه يريد سياسة أخرى، في الحكم، والتعليم، والصناعة، والقضاء، وغيرها، تحل محل النظام القديم، فنظام الملالي أو النظام الديني، يلقي بظلاله على المنهاج التعليمي، والتصنيع، والعقلية البشرية، التي ستتعامل مع محيطها وإقليمها. وبهذا، إن الحديث عن النظام التعليمي لا ينفصل عن النظام الديني، ولا ينفصل عن الحديث عن المواهب الفنية والثقافية، وعن الابتكار والاختراعات.
إن كل منتج يحمل سياسته في داخله، ولو نظرنا إلى وسائل التواصل الاجتماعي كمنتج، فإنها تحمل سياساتها المتمثلة في أهدافها المعلنة وغير المعلنة. وقد تكوّن اتجاه تربوي عالمي يحظر على الأطفال دون الخامسة عشرة استخدام تلك الوسائل، ودولة الإمارات العربية المتحدة، أصدرت مؤخراً قانوناً مشابهاً. هو قرار سياسي يتعلق بشؤون تربوية خاص بالأجيال الصاعدة، وحمايتها من الهجمات المدروسة بعناية والتي تحمل سياسات ليست في صالح الأجيال.
إن الحديث في السياسة بشكل مباشر، أراه أسلم وأكثر أماناً من الحديث حول محتوى هذا الفضاء الذي لم يعد افتراضياً، والاطلاع على السياسات أمر إيجابي أكثر من الاطلاع على محتويات بعض وسائل التواصل الاجتماعي.
القضية تتطلب تحصيناً جيداً للكبار والصغار، فالقضية صارت أصعب من المصطلح الذي كان يستخدم سابقاً وهو الغزو الثقافي، القضية أننا نتعامل مع غزو على مدار الساعة، ونصادفه في كل مكان. وأعني بالغزو كل ما يمس الهوية والسوية الإنسانية والانسجام المجتمعي والعادات والتقاليد والأعراف حتى الأزياء والأطعمة. وهذه عملية بناء مجتمعي تتم بقرار سياسي، وتتطلب أن يتحدث المعنيون بالسياسة، أعني بالمناهج والهوية، والأزياء وقائمة الطعام، وأسلوب الحياة وغيرها، فالبدء في تغيير التوجه السياسي، وأعني الانتماء والولاء يبدأ من تلك التفاصيل، ولا نبالغ إن قلنا إنه يبدأ باللغة، والعادات والتقاليد، والفنون، والثقافات، يبدأ بمائدة الطعام والعلاقات الإنسانية وتدميرها، هذا هو الغزو الثقافي، وهذا هو التصدي لهذا الغزو.
نحن لدينا منظومة قيم معرضة للأذى، ومن بينها قيمة العدل والمساواة، يقول البعض إننا الآن نتحدث في السياسة، أقول له نعم، لأن العدل أساس الحكم، فإذا كان هذا المبدأ مطبقاً فلم الخوف من الحديث عنه، شرط أن يكون الحديث بنّاء ويُبنى عليه في قوانين مشابهة.
ولو أردنا تخصيص حديثنا عن دولة الإمارات العربية المتحدة، التي مرت ولا تزال تمر بوضع حساس محلياً وإقليمياً، فهذه الدولة حصلت على لقب أسعد دولة في الشرق الأوسط والعالم، وكان من بين معايير السعادة علاقة الحاكم بالمحكوم، وتحقيق دولة القانون، إضافة إلى الخدمات التعليمية والصحية وحقوق الأطفال وتمكين المرأة وتقديم الرعاية لأصحاب الهمم، وغيرها من المعايير، التي تم تصنيف الإمارات، بناء عليها، كأسعد دولة. فلو تحدثنا في السياسة المباشرة سنمر على كل ذلك باعتزاز وفخر، فلماذا التحدث بصوت منخفض بشأن قضايا تستحق منا الصوت العالي. بل إن الإدارة التي انتهجتها الدولة في الأزمة الأخيرة كانت الأرقى والأجمل بين كل الدول، هذا حديث سياسي بامتياز.
بدأنا حديثنا بوجود حساسية ما عند الحديث في السياسة، وانتهينا بالإحساس بالسعادة ونحن نتحدث بالسياسة. ونحن في عصر لا يمكن فيه إخفاء الحقيقة.
