تباينت الآراء ضمن التحليلات والتعليقات بشأن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، خاصة في ظل تكرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقاداته لدول الحلف وتهديد واشنطن بسحب قوات لها من أوروبا. وعلى الرغم من أن ترامب عاد وأكد أنه لا يريد «إفشال» القمة في تركيا لأن أردوغان صديقه، فإن الخلافات بين الولايات المتحدة وشركائها في الحلف لم تعد أمراً عابراً.
يردد ترامب أن دول الحلف لم تقف مع أمريكا في حربها على إيران، وموقف الدول الأوروبية كان واضحاً أن واشنطن لم تستشر أحداً في الحرب واعتبروها «ليست حربنا». مع ذلك، استفادت الولايات المتحدة من كل القواعد والتسهيلات العسكرية الأوروبية في نقل الطائرات والأسلحة وغيرها من الأمور اللوجيستية.
ليست مسألة عدم الاشتراك في حرب إيران سوى ذريعة، لأن موقف ترامب من الحلف ودول أوروبا عموماً ليس بجديد. فمنذ فترة رئاسته الأولى السابقة وهو يردد أنه لا يريد أن تتحمل أمريكا العبء الأكبر في الحلف، ويكرر أن على الأوروبيين أن «يدفعوا مقابل الحماية العسكرية الأمريكية».
أصبح أسلوب ترامب واضحاً للجميع الآن، فهو يستخدم التهديد والضغط للحصول على شروط أفضل في التعامل. وفهم القادة الأوروبيون ذلك وأصبحوا يحاولون «إرضاء» الرئيس الأمريكي. ذلك لأن أوروبا لا تستطيع المخاطرة بالعلاقات عبر الأطلسي وتحديداً لا يمكنها الاستغناء عن المظلة العسكرية الأمريكية.
مع أن دول أوروبا بدأت توجهاً نحو تطوير قدراتها العسكرية وزيادة الإنفاق الدفاعي، وهو أحد مطالب ترامب، إلا أنها تظل بحاجة إلى الغطاء العسكري الأمريكي على الأقل في المديين القصير والمتوسط. في الوقت نفسه لا ترغب أمريكا في انهيار «الناتو» وإن كانت لا تريد تحمل كلفة عسكرية كبيرة. حتى التهديد بسحب قوات أمريكية من أوروبا، بل وتفكيك بعض القواعد العسكرية فيها إنما هو جزء من إعادة هيكلة يقوم بها وزير الحرب الأمريكي ويستخدمها الرئيس للضغط على الأوروبيين.
يستخدم الرئيس ترامب كل الأدوات المتاحة له لتحقيق أهدافه، لكنه في النهاية لا ينفذ أغلب تهديداته، كما تشهد تراجعاته عن كثير من الوعود التي قطعها من قبل. وليس أولها، ولن يكون آخرها، ما سبق القمة من تقارير تتحدث عن أن ترامب تخلى عن تهديده بالاستيلاء على غرينلاند من الدنمارك. وهي أحد التهديدات التي كادت تضعف حلف الناتو تماماً، إذ قام الحلف على أساس التصدي لدول حلف وارسو الذي اختفى بانهيار الاتحاد السوفييتي، لكنه استمر على أساس حماية كل الدول الأعضاء لأي دولة تتعرض لاعتداء. وبما أن الدنمارك عضو في الناتو فلم يكن معروفاً تبعات «اعتداء» العضو الأكبر في الحلف عليها واقتطاع غرينلاند منها.
أعلنت أغلب دول أوروبا زيادة ميزانياتها الدفاعية بمليارات الدولارات، لكن ترامب يريد أن يشتري الأوروبيون أسلحة ومعدات أمريكية بتلك المليارات، أو إذا كانوا يخططون لتطوير صناعاتهم الدفاعية فليكن للشركات الأمريكية نصيب كبير من تلك الصناعة في أوروبا.
يتحدث محللون عن أن تركيا تجد فرصة في احتمال «انسحاب» الأمريكيين لتستفيد هي من سد الفجوة في أوروبا، سواء ببيع السلاح أو بالمشاركة في مشروعات دفاعية أوروبية. لكن ترامب، حتى رغم ما يردده من صداقته لتركيا، لن يرضيه أن تأخذ تركيا ما يراه نصيباً منطقياً للأمريكيين.
ربما هناك مبالغة في حديث المتشائمين عن «الانشقاقات» في «الناتو» التي قد تنذر بانهيار الحلف، لكن أيضاً لا يمكن تجاهل أن المواقف الأمريكية تضعف الحلف وتزيد من مخاوف الأوروبيين من أن حليفهم القوي غرب الأطلسي لا يمكن الاعتماد عليه. ولعل الخلاف الأمريكي الأوروبي بشأن أوكرانيا وتسليحها في مواجهة روسيا مثال على عمق مشاكل «الناتو». رغم أن أوكرانيا ليست عضواً في الحلف، لكن كثيراً من الأوروبيين يرون ما يحدث فيها وموقف ترامب منه مثالاً على ما يمكن أن يحدث لأي دولة أوروبية تواجه هجوماً روسياً.
الأخطر، الذي قد يضعف «الناتو» أكثر، أن الإدارة الأمريكية تستخدم الحلف ضمن عملية ضغط أوسع على أوروبا تتجاوز حتى خلافات التجارة وتصل إلى رغبة أمريكية في تغيير ثقافة أوروبا جذرياً.
