كان حسن شريف مثقفاً ورساماً متهكّماً من الدرجة الأولى، ولكنه، لم يهبط أبداً بنزعة التهكّم تلك إلى الدرك الأسفل من حيث رؤيته لكل ما هو نقدي وثقافي سواء في حياته اليومية، أو في أعماله الفنية، وكان راقياً بكل معنى الرقي الثقافي والمعرفي والاخلاقي، وكان، أيضاً، معتصماً بنفسه التي يعرف كيف يوجّهها نحو الصمت، حين يكون الصمت لديه هو الآخر شكلاً من أشكال التهكّم.
ظهرت شخصية حسن شريف الساخرة، المتهكّمة في بواكير أعماله الكاريكاتورية، وهناك الكثير من الفنانين والمثقفين لا يعرفون حسن رسّام الكاريكاتير في الصحافة الإماراتية المبكرة، ولا يعرفون حسن الناقد التشكيلي الاحترافي العلمي، القارئ لتاريخ الفن وظواهره الجمالية والفلسفية، ورموزه الوازنة في الثقافة التشكيلية العالمية، فهو درس الفن في بريطانيا في ثمانينات القرن العشرين. درس الفن العالمي بالانجليزية. وهو قارئ محترف بالإنجليزية، والعربية والفارسية. قارئ محترف للآداب العالمية الروائية بشكل خاص. وكان يتذوّق الشعر بعقله وقلبه وروحه، وأكثر أصدقائه من الكتّاب الإماراتيين والعرب كانوا شعراء.
عرفته يومياً حين كان يسكن بيتاً شعبياً في حي السطوة في دبي في ثمانينات القرن العشرين، وعرفت عقله الثقافي الجمالي النقدي، ومن خلال أحاديثه الطويلة معي حول الفن وتاريخه وقوّته الروحية عرفت بول سيزان، ومارك شاجال، وفان كوخ، وموندريان، وغيرهم من كبار اللوحات والأعمال الفنية الخالدة.
كان بعض الجهلة في تاريخ الفنون العالمية وتحوّلاتها الفكرية والفلسفية يسخرون من حسن شريف وهو يطرح أعماله الفنية على الأرض، أو يكوّمها بحيث تبدو مرمية أو مهملة في الطريق، وكانت ذروة سعادته تتمثل في رؤيته طفلاً مندهشاً بهذه الأكوام، فيعبث بها، أو يلمسها أو يمسكها.. عندها يستيقظ الطفل القديم داخل حسن، فيبتسم الطفل الذي يعبث أو يلعب بعمله الفني، بل، قل، إنه يبتسم للطفل الذي في داخله.
بعض مثقفي الإمارات لم يعرفوا قيمة حسن شريف إلّا بعدما أصبح فناناً عالمياً، حين أحاطت بأعماله الفنية كبريات متاحف العالم، وبيعت أعماله بأرقام تقترب من الملايين، وكل هذا المجد لم يغير شعرة واحدة في تواضع وتهكم وطفولية حسن، تلك الطفولية النقية التي حَمَتهُ من الغرور والتكبّر والابتذال.
رحل حسن فجأة وهو في ذروة مجده الفني الإماراتي العربي العالمي، رحل مادّياً وجسدياً وصورة بيولوجية، لكنه، لم يرحل بوصفه ظاهرة فنية مكتملة وحده.
وحده كان ثقافة يومية متحركة.
متحف من أجل حسن شريف في الإمارات، ليس أمراً مستحيلاً ولا صعباً أو معقداً.. لأن الرجل نفسه كان سهلاً.. سهلاً كطفل.
