في بعض نسخ كأس العالم، تفرض المفاجآت نفسها على المشهد فتغيب المنتخبات الكبرى مبكراً، وتتحول البطولة إلى حكايات غير متوقعة، أما في مونديال 2026، فقد بدا الأمر مختلفاً تماماً، فمع انقضاء ربع النهائي، لم يبق في الساحة سوى الأقوى، إسبانيا، فرنسا، الأرجنتين، وإنجلترا.. أربعة عمالقة احتلوا صدارة التصنيف العالمي قبل البطولة، وأثبتوا داخل المستطيل الأخضر أن الأرقام لم تكن مجرد حبر على الورق، بل هي انعكاس حقيقي لقوتهم الفنية واستقرارهم على أعلى المستويات.
المواجهة الأولى اليوم بين إسبانيا وفرنسا ليست مجرد صدام أوروبي، بل مواجهة بين فكرتين كرويتين. إسبانيا تدخل اللقاء بثقة فريق يعرف كيف يفرض شخصيته عبر الاستحواذ، وبخط وسط يعد الأفضل في البطولة، بعدما تجاوز البرتغال وبلجيكا بأداء أقنع قبل أن ينتصر، أما فرنسا، فقد قدمت النسخة الأكثر اكتمالاً، بعدما أطاحت بالسويد وباراغواي والمغرب، لتؤكد أن قوتها لا تكمن في أسماء نجومها فقط، بل في قدرتها على التحول السريع بين الدفاع والهجوم، واستغلال أنصاف الفرص.
الأرقام تمنح «الديوك» أفضلية محدودة، سبعة أهداف مقابل هدف واحد في الأدوار الإقصائية، ودفاع لم يمنح منافسيه سوى مساحات قليلة، لكن إسبانيا تمتلك السلاح الذي يصعب قياسه بالأرقام، وهو قدرتها على خنق المنافس بالاستحواذ والتحكم في إيقاع المباراة، لذلك تبدو فرص التأهل متقاربة.
أما المباراة الثانية، فهي أكثر من نصف نهائي، إنها فصل جديد من واحدة من أشهر المنافسات في تاريخ كرة القدم، الأرجنتين وإنجلترا يعودان إلى المسرح العالمي وسط ظروف مختلفة، لكن الطموح واحد، المنتخب الأرجنتيني أثبت أنه لا يزال يعرف كيف ينتصر في المواعيد الكبرى، بعدما تجاوز مصر وسويسرا، بينما قدمت إنجلترا بطولة ناضجة، تميزت بالانضباط التكتيكي والقدرة على حسم المباريات في اللحظات الحاسمة.
وبينما تراهن إنجلترا على الحيوية والسرعة وجودة عناصرها الشابة بقيادة جود بيلينغهام، إلى جانب خبرة هاري كين أمام المرمى ستمنح خبرة ليونيل ميسي الأرجنتين أفضلية معنوية، ولهذا تبدو الكفة متوازنة إلى حد بعيد، مع أفضلية طفيفة للأرجنتين.
وبعد ذلك المشوار المونديالي الطويل، لم يعد هناك مكان للمفاجآت أو الحسابات، أربعة قمصان فقط، وبطل واحد، وما بين عبقرية الإسبان، وقوة الفرنسيين، وشغف الأرجنتينيين، وطموح الإنجليز، يقف العالم على موعد مع أمسيتين قد تُسجلان بين أعظم ليالي كأس العالم عبر التاريخ.
