اختتمت في روما جولة المفاوضات السادسة بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية لتنفيذ «اتفاق الإطار» الذي تم توقيعه في واشنطن يوم 26 حزيران/ يونيو الماضي، في أجواء سادتها خلافات حول أولويات تنفيذ الانسحابات من جنوب لبنان وفق آلية ما يسمى «المناطق التجريبية»، حيث أصرّ الجانب اللبناني على أن يكون الانسحاب من مناطق محتلة، فيما حاول الجانب الإسرائيلي التملص من التزاماته بالحديث عن انسحاب من مناطق غير محتلة على أن ينتشر فيها الجيش اللبناني تحت إشراف أمريكي.
كان مأمولاً أن يشكل «اتفاق الإطار» مقدمة لتثبيت وقف إطلاق النار، والبدء بانتشار الجيش اللبناني تمهيداً لانطلاق عملية إعادة الإعمار وعودة المهجرين، لكن إسرائيل واصلت اعتداءاتها اليومية بشن غارات على القرى الجنوبية، ونسف المنازل وتجريف الأراضي، وسقوط أكثر من أربعة آلاف قتيل، ونحو 13 ألف جريح، ما أدى إلى إثارة مخاوف لبنانية من أن يكون «اتفاق الإطار» مجرد غطاء لمواصلة الاعتداءات وفرض أمر واقع في المناطق المحتلة، ما استدعى موقفاً متشدداً من الرئيس جوزيف عون، مؤكداً أن الأهداف الموضوعية التي يجمع عليها اللبنانيون جميعاً هي «الانسحاب، وعودة المهجرين، وإعادة الأسرى والجثامين، وإعادة الإعمار، ولا بد من تجربة هذا المسار بعدما فشل مسار الحرب»، أضاف أنه «لن يفرط في الجنوب أو في حقوق لبنان، لذلك هناك تشديد على انسحاب إسرائيل من كل الأراضي اللبنانية، وتوقيعها تعهداً بعدم وجود أي أطماع لها في لبنان».
لكن تجربة هذا المسار غير مضمونة، نظراً لسوابق إسرائيلية في عدم الالتزام باتفاقات أو قرارات، ما يفرض تساؤلاً حول مدى التزامها بتنفيذ «اتفاق الإطار» الذي أثار موجة من الرفض والانتقاد داخل لبنان، لأنه لم يحدد جدولاً زمنياً للانسحاب الإسرائيلي أو عودة المهجرين.
مع ذلك يواصل لبنان الرسمي تمسكه بالمفاوضات لعلها تؤدي إلى ما تطمح إليه، مع المراهنة على موقف أمريكي أكثر تشدداً مع إسرائيل، وهو ما أشار إليه الرئيس عون الذي يزور واشنطن الأسبوع المقبل بالقول إنه «سيطلب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ممارسة ضغوط على إسرائيل لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في صيغة الإطار، والمطالب اللبنانية، والاستفادة من رغبة الإدارة الأمريكية في تحقيق السلام في المنطقة».
لبنان يراهن إذاً على موقف أمريكي يدعم مطالبه، رغم أن إسرائيل أعلنت أكثر من مرة أنها لن تنسحب من لبنان، وقد أكد ذلك وزير الحرب يسرائيل كاتس بقوله «لم نطلب إذناً من أي طرف لدخول لبنان، ولا نحتاج إلى إذن لكي نبقى فيه»، رداً على الرئيس ترامب الذي قال إنه يعتقد أن إسرائيل «ستنسحب من لبنان بموجب اتفاقات واشنطن».
إسرائيل لديها شروط محددة للانسحاب، أولها سحب سلاح حزب الله وإنهاء وجوده العسكري ليس في الجنوب فقط إنما في كل لبنان، وهو مطلب يستحيل على السلطة اللبنانية تنفيذه في ظل ظروف غير مهيأة للجيش اللبناني للقيام بهذه المهمة، إضافة إلى الانقسام الداخلي تجاه ذلك، وخوفاً من فرض ما يشبه الاستسلام من خلال اتفاقات سلام أو اعتراف.
أعطت الإدارة الأمريكية إشارات إيجابية عن نتائج اجتماعات روما باعتبارها «تمثل بداية الانتقال من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ الميداني»، كما أن السفارة الأمريكية في بيروت أعطت الانطباع نفسه بالقول إن المحادثات اختتمت بعد يومين من «النقاشات المثمرة والإيجابية»، مشيرة إلى أنه تم الاتفاق على هيكلية وإرشادات عمل «المناطق التجريبية»، على أن تبدأ مرحلة التنفيذ خلال الأيام المقبلة.
.. وما زال لبنان ينتظر أن يأتي الغيث من واشنطن.