الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

براءة موؤودة تحت أنقاض الصراعات

18 يوليو 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 18 يوليو 00:07 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
افتتاحية.jpg
افتتاحية.jpg
لانتشار الصراعات والحروب حول العالم وجوهٌ مأساوية عابرة للحدود، إذ لا تتوقف تداعياتها عند حدود ميادين القتال، بل تمتد لتضرب عمق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي العالمي، مهددة، بشكل مباشر، فرص التنمية المستدامة، ومنظومات الصحة العامة، لا سيما الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال، بُناة الغد، ورجال المستقبل الذين يواجهون اليوم ضياع حقوقهم الأساسية في التعليم، والحماية، والحياة الكريمة.
الأطفال والنساء هم أكثر من يتعرضون للأذى في الحروب، والدليل الصارخ والحي على ذلك، ما جرى في قطاع غزة تحت نيران العدوان الإسرائيلي، الذي لم يتوقف، فهناك دفع الأطفال والنساء الحوامل والأمهات، أثماناً باهظة من الفقد والتهجير القسري، ودُفنت براءة آلاف الرضّع تحت الأنقاض شاهداً آخر على طفولة موؤودة لم تستطع أن توقظ ضمير العالم إلا قليلاً، قبل أن يعود إلى غفوته المعتادة، وصمته المريب. وفي السودان، هناك مأساة أخرى تُعمّق جراح المشهد الدولي جرّاء حرب عبثية، أسفرت عن أكبر أزمة نزوح شهدها العالم بأسره، بعدما أعمت الأطماع في السلطة والاستبداد بصيرة من يفترض أنهم مسؤولون عن وطن، فاستباحوا أمنه واستقراره. وتحت وطأة هذا النزاع العنيف، تحولت حياة الملايين إلى رحلة تشريد لا تنتهي، حيث تجرعت الأمهات مرارة الفقد والنزوح، وشهد الأطفال فصولاً قاسية من الجوع، وسوء التغذية، وتدمير منظومات التعليم والصحة، تحت وطأة حرب منسية لا يلتفت إليها العالم، إلا عبر إحصاءات لا تحرك ساكناً، وبيانات لا تغيّر من واقع الكارثة.
المشهد الإنساني المأزوم تتشابه فيه فصول المأساة، وإن اختلفت الجغرافيا، فمن دماء الأطفال والنساء المهدورة في غزة، إلى أنّات الجوعى والمشردين في فيافي السودان، وغيرهما من المناطق الهشة أمنياً، تتوحد الصرخة، وتعرّي المنظومة الدولية التي عجزت عن حماية الأبرياء، لا سيما الأطفال، الذين يفترض أنهم يحملون أحلام الشعوب، وطموحات أجيال اليوم لبناء الغد المأمول، لكنهم لا يجدون من المنظمات الدولية الاهتمام الواجب لحماية أبسط حقوقهم المنصوص عليها في المواثيق الدولية، خصوصاً ضرروة حمايتهم من الأمراض وتحصينهم بالتطعيمات المطلوبة ضد الدفتيريا، والكزاز، والسعال الديكي. وعلى الرغم من أن معدلات تطعيم الأطفال على مستوى العالم شهدت تحسناً طفيفاً في العام الماضي، إلا أن ذلك لا يكفي لأنّ «ملايين الأطفال المعرضين للخطر ما زالوا يُترَكون من دون حماية، بسبب النزاعات، والنزوح، والفقر»، مثلما أقرّت بذلك، مؤخراً، مديرة «اليونيسف» كاثرين راسل.
من المهم المناداة بحقوق الأطفال والدفاع عنها، ومن المهم أيضاً تشديد الإجراءات القانونية بما يسمح بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، وملاحقة مجرمي الحرب، أيّاً كانوا، فالقاتل لن يرتدع ما لم يوقن أن يَد القانون ستلاحقه، وأن التاريخ لن يغفر لمن صمت على اغتيال البراءة، واستباح حق الحياة. وعندما يتم تفعيل آليات المحاسبة، ومنع الإفلات من العقاب، ستتحول القوانين والمواثيق الدولية من حبر على ورق إلى درع حقيقية تحمي الفئات الاجتماعية الهشة، وتضمن عدم تكرار مآسي الماضي في المستقبل، ولن تسمح بأن تظل الطفولة موؤودة تحت أنقاض الحروب والصراعات.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة