يواجه المجتمع الدولي مأزقاً مشابهاً للمأزق التاريخي الذي أدى إلى فشل تجربة عصبة الأمم في عشرينات القرن الماضي، ما مهد الطريق إلى الحرب العالمية الثانية، التي خسرت فيها دول أوروبية عدة استقلالها، وخلفت دماراً شاملاً في القارة العجوز إلى جانب أكثر من 50 مليون قتيل، وما كان لهذه المأساة الإنسانية أن تحدث لو تم الالتزام بالميثاق الدولي للعصبة التي تكونت بعد استخلاص دروس الحرب العالمية الأولى.
اليوم تعصف الأزمات المتلاحقة بمنظمة الأمم المتحدة التي نشأت بعد مفاوضات شاقة وطويلة في سان فرانسيسكو لإرساء السلام والأمن في العالم وكفالة حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكفالة المسؤولية الدولية والعمل المشترك على كل الصعُد لصالح الشعوب والإنسانية.
من الغريب أن الولايات المتحدة بشكل أساسي وحلفاءها الغربيين نسبياً هم من يهدد اليوم الشرعية الدولية وفاعلية وكفاءة المنظمة الدولية والمؤسسات المنبثقة عنها، فالولايات المتحدة التي تعتبر نفسها زعيمة العالم الحر، هي من بادرت إلى نقض غزل الأمم المتحدة وضرب العمل المشترك للمجتمع الدولي عرض الحائط، وتجاهل ميثاق الأمم المتحدة وإرادة المجتمع الدولي، إعلاء للمصلحة الأمريكية.
تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لإحباط قراراته التي تصب في صالح أهداف المنظمة الدولية المتمثلة في ثالوث السلام والأمن وحقوق الإنسان والتنمية، فالعملاق الأمريكي الذي يحظى بفائض القوة لا يستنكف أن يسخر المنظمة الدولية لصالح رغباته، وإذا فشل في تحقيق إجماع يتساوق مع هذه الرغبات يميل إلى العمل خارج إطار الأمم المتحدة، بالعمل المنفرد أو في إطار نخبة مختارة من الحلفاء أو الراغبين الطامعين في الانتفاع المادي.
تواجه المنظمات التابعة للأمم المتحدة منذ سنوات متاعب وأزمات تهدد شرعيتها ومهمتها، إن لم يكن وجودها، وليس ببعيد عن الأذهان الانسحاب الأمريكي المتكرر من منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونيسكو)، وسحب التمويل عن المفوضية السامية للاجئين، والامتناع عن دفع الالتزامات والحصص المقررة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أونروا)، بل فرض واقع جديد من شأنه تصفية هذه الوكالة المعاصرة لمأساة الشعب الفلسطيني، وليس آخراً فرض واشنطن عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها عندما عصفت رياحها بما لا تشتهي الولايات المتحدة وربيبتها اسرائيل.
بالأمس قال وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو، إن المحكمة الجنائية الدولية تضم «مجانين ومختلين عقلياً»، وأن بلاده لن تكون جزءاً منها، وترفض أن تكون لها ولاية قضائية على الأمريكيين، بل إنه اعتبر المحكمة تهديداً للسيادة الأمريكية وللأمن القومي الأمريكي.
الأنكى من ذلك أن الولايات المتحدة التي ليست عضواً في النظام الأساسي للمحكمة، ضغطت على من تستطيع من ضعفاء الدول للتصويت على عزل المدعي العام الرئيسي للمحكمة كريم خان لاتهامه بارتكاب سلوك جنسي غير لائق، رغم أن الاتهام غير قانوني وغير عادل إجرائياً ولا تدعمه أدلة ملموسة مقنعة، فجريرة الرجل أنه سعى إلى إصدار مذكرتي اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين كبار بتهم ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.
في السياق نفسه يواجه مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، معارضة من روسيا وإسرائيل لتولي فترة ثانية مدتها أربع سنوات، وجريرة المسؤول الأممي أنه منتقد صريح للحرب الروسية في أوكرانيا وجرائم إسرائيل في غزة.
لم تأت الدعوات إلى إصلاح الأمم المتحدة من فراغ، بل من استيعاب كامل للدروس المؤلمة التي استخلصتها الشعوب من تجاربها الماساوية، ورغبة أكيدة في تجنيب العالم المزيد من المآسي.
ويقف المجتمع الدولي اليوم أمام مفترق طرق حاسم، إما أن يقود إلى أن يعم الاستقرار والسلام والأمن في العالم، أو أن ينفتح الباب على مصراعيه لعالم يسوده قانون الغاب.