الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
رفيف

محمد القيسي.. المعنى والذاكرة

25 يوليو 2026 00:27 صباحًا | آخر تحديث: 25 يوليو 00:28 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
التفاتة نبيلة وجديرة بالتقدير تلك التي قامت بها الجريدة الأصيلة جريدة الدستور الأردنية، وذلك بتخصيص ملفّها الثقافي الصادر أمس حول الشاعر محمد القيسي (1944-2003)، وقد مرّ على غيابه المفاجئ المرّ ثلاثة وعشرون عاماً، وهو في ذروة عطائه الأدبي الإبداعي النثري والشعري، إلى جانب عطائه الحياتي، فهو أعطى الحياة، حياة الشاعر بشكل خاص، معنى حيوياً جميلاً بالكامل، إذ كان دائماً في الهواء الطلق، وفي النور، وفي المشي الذي حوّله إلى استرسال يومي للتأمل والكتابة والفرح الغزير بالشعر الذي كان يكتبه تحت الشمس، بلا انزواء كسول في منزل أو في مكتب أو في مؤسسة، هو الذي كان دائماً وأبداً، خارج هذه المربّعات الخانقة في أي مكان يحلّ فيه أو يرتحل إليه من بيروت إلى القاهرة، إلى تونس، إلى الدمام، إلى عمّان، التي كان نجمها الشعري الأكثر توهجاً في ثمانينات القرن العشرين، حين كان ينشر كل أسبوع قصيدة في الصفحات الثقافية، وكل قصيدة كان لها مذاقها (القيسي)، وحيويتها الشعرية الفاتنة.
شكراً لمن تذكر القيسي وكتب عنه بما يليق به: الشاعر والصحفي نضال برقان، والناقد الاحترافي النشط د. إبراهيم خليل، والناقد والكاتب الحميم دائماً د. زياد أبو لبن، والناقد العملي الحرّ د. محمد عبدالله القواسمة.
لم تكتب هذه النخبة العزيزة عن محمد القيسي من فراغ، بل جاءت كتاباتهم أكثر من استعادة شاعر في مناسبة رحيله، لأنها كتابة الحياة، فهم كانوا يعرفون محمد القيسي عن قرب، يعرفون روحه الإنسانية، وقيمته الأدبية العالية في الشعريات العربية الحديثة، وبخاصة: الشعرية الفلسطينية.
حوّل محمد القيسي فلسطين، فلسطينه هو، وليس فلسطين الشعار والمزايدة والأيديولوجية والكذب الثقافي السياسي إلى حزن نبيل، هو في الوقت نفسه ليس حزناً رومانسياً بكائياً سطحياً، بل حزن الكبار من الشعراء الذي يعتبرون ضياع أوطانهم هو ضياع لوجودهم الشخصي، ولأن هذا الضياع يتكثف في أرواحهم على هذا النحو التراجيدي الحقيقي، تراهم يدافعون عن ذواتهم وكينوناتهم وفراديسهم الضائعة بقوة الشعر الذي يُترجم إلى معنى آخر هو قوة الحياة.
عرفت محمد القيسي في أوائل ثمانينات القرن العشرين، وكان أوّل من عمل على إصدار مجموعتي الشعرية (فاطمة تذهب مبكراً إلى الحقول)، حمل المخطوطة بنفسه وذهب بها إلى دمشق، لتصدر عن اتحاد الكتاب العرب.
وقف محمد القيسي إلى جانب شعراء جيلي بكل ما كان يمتلكه من جرأة وشجاعة ويقين أدبي شريف، وثقة مطلقة بما كان يكتبه شعراء ذلك الجيل، ومع ذلك لم يكن يتقمّص دور ما يسمى الأب الروحي، أو العرّاب، أو الأخ الأكبر، بل كان (منّا وفينا)، يقرأ لنا، ويسر معنا، ويكتب عنا، ويفرح لقصيدتنا الثمانينية الجديدة التي خرجت من ثياب الشعارات السياسية الطنّانة، وحافظت، إلى اليوم، على غنائيتها المائية الشفافة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة