أسعدني اتصال الصديق الصحفي المثقف محمود علياء الذي لا يترك شاردة أو واردة في اللغة إلّا ويقف عندها، ويتأملها بحساسيته الجمالية اللغوية الرفيعة، هذا فضلاً عن قراءاته الموسّعة في الأدب والتاريخ، وإلى جانب كل هذا، حيويته المهنية الصحفية منذ نحو أربعين عاماً في الإمارات وفي دبي تحديداً، التي عرف فيها عن قرب الشاعر والإنسان ورجل الأعمال سلطان العويس، وعرف مجلسه وخلقه العالي وأدبه الراقي، وبالتالي، وضع محمود علياء كتاباً حول سلطان العويس هو الأقرب في بحثه ومنهجيته لشخصية صاحب اللؤلؤين: لؤلؤ البحر، ولؤلؤ الشعر.
جزء كبير من اتصال محمود علياء أعادني وأعاده إلى الثقافة والأدب والصحافة في الإمارات في الثمانينات والتسعينات، إلى زمن محمد المر، وعارف الخاجة، وعمر أبو سالم، وظاعن شاهين، وسالم الزمر، وسالم بوجمهور، وكريم معتوق، وأحمد فرحات، والمحامي اللامع الشاعر ناجي بيضون، ومحمد بن حاضر، وكامل يوسف أحد أهم المترجمين العرب المعاصرين، وغيرهم من الصنّاع الأصلاء لثقافة وصحافة ذلك الزمن الذهبي العظيم.
محمود علياء كان وما يزال شاهد عيان على حركة الثقافة والصحافة في الإمارات بشخصيته النقدية الجريئة هو الذي لا يعرف التملق والمحاباة ومسح الجوخ، وبقي طوال هذه العقود في الإمارات محباً للبلاد والعباد في بلد الترحاب والتسامح والكرم والكرامة، إمارات السيادة والعدالة وجمال الناس والأرض واللغة واللهجة والحياة، وهكذا، امتلأت رئتاه بالإمارات، وامتلأ قلبه بمثقفيها وشعرائها ورجال الاقتصاد والإدارة والتنمية والفكر مع احتفاظه الأبدي بتكوينه الثقافي والمعرفي والأخلاقي، منذ الثمانينات وإلى اليوم.
محمود علياء من جيل الصحفيين العرب الذين اختاروا مهنة صاحبة الجلالة استناداً إلى تكوين أوّلي أساسي هو الأدب، ولكنه لم يطرح نفسه لا في محفل ولا في منزل شاعراً أو أديباً أو ناقداً أو مفكراً أو من هذا القبيل الثقافي الدعائي، وإن كان في محمود علياء شيء من هذا، وبعض من ذاك، لكي تكون لغته الصحفية حيّة مثل الهواء والماء.
فلسطيني الأصل، لبناني التكوين، إماراتي القلب والهوى والروح، عربي المبتدأ والخبر.
حدثني محمود علياء عن الكتابة الصحفية اليومية، وأبدى حماسه النبيل تجاه العمود اليومي ومسؤوليته، ودوره المتراكم في صياغة شخصية القارئ، وليس أي قارئ، بل القارئ المثقف الواثق من ذاته ومن معناه الإنساني.
أسعدني اتصال محمود علياء، لأن الدنيا ما زالت بخير، وأن هناك في هذا العالم الجاحد من يقول لك: مرحباً كيف الحال والأحوال؟ هل عائلتك بخير؟ هل أهلك على ما يُرام؟
كلمات صغيرة بسيطة لا تكلّف الكثير من الجهد والمال، ولكنها، أحياناً، تُسيل الدموع. فعلاً، كما يقول المثل الشعبي «لاقيني، ولا تغدّيني».
