عندما نستعيد تجربة المطربة الراحلة «أم كلثوم» كوكب الشرق، ندرك أننا أمام شخصية موسيقية كانت بمنزلة مؤسسة ثقافية كاملة، بحيث أسهمت في تشكيل الذائقة الموسيقية العربية لعقود، وقد كانت حفلاتها تشكل حدثاً فنياً وطقساً اجتماعياً أسبوعياً، يلتقي فيه الناس حول نصوص شعرية عالية المستوى، لشعراء الكلمة العذبة أمثال أحمد رامي وبيرم التونسي، وإبراهيم ناجي، ومأمون الشناوي، وأحمد شفيق كامل، وغيرهم، ليترافق النص الشعري مع ألحان بديعة مبنية على تراكم معرفي في المقامات والإيقاعات، من إبداعات رياض السنباطي، ومحمد عبدالوهاب، زكريا أحمد، وبليغ حمدي، وغيرهم، لتتجلى لنا معهم الثقافة الموسيقية المتفاعلة بين الكلمة واللحن والمتلقي.
ارتبطت الموسيقى في عالمنا العربي، بمراحل دقيقة من التغيرات الاجتماعية والسياسية، حتى إنها وفي كثير من الدول العربية، تؤدي دورها ثقافياً في تعزيز الروح الوطنية وفي أبرز الموروث والثقافة الشعبية، وفي أحيان كثيرة تلعب دوراً سياسياً، يعبر عن المزاج العام وآراء المجمتع تجاه قضايا ملحة.
ربما في العقد الأخير شهدنا تحولات جذرية في شكل الإنتاج الموسيقي وحتى استهلاكه، ولعل دخول المنصات الرقمية على الخط أسهم بشكل أو بآخر في إعادة تشكيل العلاقة بين الفنان والجمهور، وأصبح معايير التقييم مختلفة أو بالأحرى مبنية على مقياس «عدد المشاهدات»، أكثر من مقياس عمق الأثر والتأثير، وأصبح الاهتمام بالـ«ترند» الموسيقي، أكثر أولوية من الكلمة واللحن، فظهرت أنماط موسيقية سريعة، تعتمد على الإيقاع أكثر من المعنى، وعلى التكرار أكثر من البناء.
فهل نحن أمام تراجع في الثقافة الموسيقية؟، وهل اختلفت الأدوات، أم تبدلت الذائقة، ولماذا لا يوجد عمل موسيقي يدوم أكثر من «تمريرة أصبع»؟، ربما يجدر بالمؤسسات الفنية عربياً المعنية بالإرث الموسيقي العربي، أن تقدم لنا تفسيراً لهذه الظاهرة، والتي تطرح تحدياً يتعلق بسطحية التلقي.
لا ننكر وجود محاولات جادة لإحياء التراث الموسيقي، كما في مشاريع إعادة توزيع الموشحات أو توثيق الفنون الشعبية في الخليج والمغرب العربي، ولكن الحقيقة التي تخترق العين والأذن، أن هناك سيلاً من الأغاني التجارية تنتج بسرعة وتنسى بالسرعة نفسها.
عموماً يمكننا القول إن هناك ما يشبه غياباً للوعي النقدي لدى الجمهور، فالموسيقى كأي فن، تحتاج إلى مستمع مثقف قادر على التمييز، بين الجودة في المعنى واللحن، وبين التسطيح والإسفاف، فالثقافة الموسيقية لأي مجتمع، تقوم على إدراك أن وراء كل لحن تاريخ وحكايات، ووراء كل إيقاع سياق اجتماعي يتغير بين منطقة وأخرى، الموسيقى لغة جمال وثقافة تحتاج إلى من يحسن استخدامها، وإلى من يصغي إليها بوعي.
