كان هناك شيء استثنائي في «الأندلس»، تلك الحضارة العربية التي تميزت وتفردت في نواح عديدة، والتي يعتبرها الكثير من المؤرخين والدارسين واحدة من أبرز محطات الحضارة العربية الإسلامية، التي أعادت تعريف اللغة والأدب والفن والموسيقى، حيث جمعت في فضاءاتها الجمال من كل ضد وضد. بين حلقات الدرس ومجالس الطرب، ولدت تجربة أدبية مبدعة، استثمرت جمال البيئة وتنوعها، والتفاعل الحضاري بين العرب والأوروبيين.
تكونت البيئة الأندلسية عند التقاء المتوسط بالمحيط، في أرض خضراء، غنية بالأنهار والحدائق والمدن المزدهرة مثل قرطبة وإشبيلية وغرناطة، هذا الثراء الطبيعي والعمراني خلق إحساسا بالاستقرار والترف، انعكس في الشعر والنثر ومختلف العلوم التي شهدت قفزات نوعية هناك، ولعل هذه الرفاهية الحضرية قد منحت الثقافة العربية مزاجا مختلفا عن خشونة الصحراء، فظهرت أشكال أدبية جديدة ومبتكرة تبعا للبيئة مثل الموشحات والزجل، وخرجت الثقافة العربية من الأندلس بصورة حضارة تجمع بين العلم والفن والجمال.
خذ مثلا فن «الموشحات»، وبحسب الناقد الأدبي صلاح فضل في كتابه «طراز التوشيح»، يشير إلى أن هذا الفن مثار خلاف بين الدارسين، فبعض علماء العربية يعدونه «ثورة عروضية»، طورت وزن الشعر العربي ونظام القافية، وكسرت عمود القصيدة التقليدية بابتكار بناء إيقاعي جديد، بينما يذهب آخرون إلى أنه لم يخرج عن بحور الخليل، وإن غيرت في أطوال الأشطار ونظام التفعيلات، في حين يميل عدد من المستشرقين الإسبان إلى أنه يقوم على نظام «النبر» في الشعر الإسباني، جامعا بين أوزان عربية وإيقاعات أندلسية أوروبية.
من هنا ندرك أن البيئة الثقافية الأندلسية، احتاجت الى أشكال شعرية تناسب الغناء والحدائق والجو الحضري الجديد، وهذا المصطلح الشعري الغنائي، يعكس كيف أن البيئة الثقافية والفكرية تنتج معجمها الخاص، فيتحول المناخ الاجتماعي والجمالي إلى لغة، وإلى أساليب أدبية مختلفة عما هو سائد.
لعل ما تكشفه الأندلس لنا، أن البيئة تعد محركا من محركات الثقافة العميقة، فالأندلس الخضراء المفتوحة على البحر أنجبت ثقافة حوار، وموسيقى، وترجمة، وكتبت الفكر العربي والإسلامي وهو مغموس في ماء النهر أو ظل الحديقة، لذا فإن أعظم خطأ في قراءتنا للتراث العربي هو أننا نفصله عن بيئته وتضاريسه، فالجغرافيا هنا هي في جوهرها «طريقة تفكير» وأسلوب حياة، فبيئة الوفرة والجمال والتعدد، لا بد أن تلد ثقافة مبتكرة ورفيعة، حتى الصحراء بسحرها وجمالها وخطرها، واتساع أفقها تترك أثرها في النصوص، فنسمع فيها صدى الترحال والحنين، ونقرأ فيها حسا خاصا بالحرية والنجاة، يجعل من المكان شريكا في صناعة المعنى.
