تبتلى المنطقة كل يوم، للأسف، بحصاد ما تقود إليه الرؤوس التي تسيطر على القرار الإيراني وتنتشي بالمقامرة بمصالح شعبها وجيرانها والعالم، وبدلاً من أن تعترف، أمام الإيرانيين أولاً، بخسائر تتراكم، وتتفرغ لتعويضها، ها هي تعود إلى تحريك الأذرع الإيرانية التي أكلت من خيرات الأوطان العربية، فلما استطالت واشتدت، استدارت ترميها بالأذى، بل تتوعد بتكرار ذلك.
تصر إيران، بتحريك أذرعها ووكلائها، على أن تقفز بالمنطقة إلى بؤرة نار لا يمكن تصور ما بعدها، وبدلاً من الانصياع لجهود البحث عن مخرج نجاة للجميع، تضع السياسات الإيرانية كل الأطراف في حيرة تتعلق ابتداء بما يدور في رؤوس صُناعها، سواء كانوا فريقاً واحداً أو مجموعات، فالأفعال تقول بجلاء إن زمام الأمور بأيدي من تغيب عنهم فضيلة الحكمة والتفكير العقلاني المتبصر للعواقب.
لسنا أمام وقائع جديدة أو فريدة لهذه الأذرع، فتاريخها في غير بلد عربي يفيض بالدم والفتنة، وجرائمها بحق أبناء شعوب عربية لا تستطيع الجهود المبذولة تدارك نتائجها المريرة حتى الآن. ورغم «الغفران السياسي» عن جرائم لهذه الأذرع، وانخراطها في كيانات رسمية في بعض الدول، وادعاء تصحيح المسار، فإن الواقع يقول إن ذلك كله كان محاولات منظمة لمزيد من التوغل في مفاصلها، والتعاون، تحت غطاءات مختلفة، في إبقائها منقوصة السيادة، لا تستطيع التحرك خارج الإطار الإيراني.
ولا غرابة في ذلك، فالرأس، أي إيران، ادّعى طويلاً حسن الجوار، وأقسم كاذباً أنه بريء مما تتخبط فيه عواصم عربية، ثم كشفت الأيام سوء النوايا والأفعال المتوالية على دول خليجية وعربية، فما بالنا بالأذرع؟
هذا التناوب بين إيران وأذرعها في العدوان على الدول العربية هو جزء من هذا السوء، فليس من المتصور أن يصمت من يُعتدى عليه، أو يقف مكتوف اليدين عند المسّ بأمنه وسيادته، أي أن الأفعال المجرّمة والردود الطبيعة ستكون على أراض عربية، بعضها مبتلى منذ عقود بالطائفية وتعدد الولاءات، ويكرر محاولات التعافي من السموم الإيرانية.
طهران تحاول أن تريح نفسها لبعض الوقت من ثمن المواجهة مع الولايات المتحدة، فتحرض أذرعها على فتح جبهات إضافية لا تكلفها شيئاً، وتضع على ألسنة الموالين لها ما يزعم أن لما يدور وجهاً مذهبياً، لإخفاء طابع الجرائم الأصلية.
رغم كل ما تقترفه إيران منذ سنوات في المنطقة، فإنها لم تستخلص من عواقبه شيئاً، ولم تر على الأقل في نتائج عدوانها على الدول العربية خلال الأشهر الأخيرة ما يستحق التوقف عنده وتغيير المسار. لا تزال إيران على غفلتها الاستراتيجية القديمة، لا تدرك ما يتغيّر حولها، وتتوهم أن عرقلة جهود التفاهم ومحاولات تغليب الحكمة، لمصلحة الجميع، دليل قوة تستعرضها بنفسها، أو عبر أذرعها، فذلك عبث لا يصح أن يكون قرين أي فريق سياسي في المنطقة.
إن كانت إيران تمد أذرعها نحو جيرانها فإنها ستُقطع بقوة الردع، وبقوة جهود استعادة قيمة الدولة في المواضع التي اخترقتها، إن لم يكن قبل ذلك بسقوط الرأس، نظاماً، وفكرة.