في غمضة عين، قد تنقلب حياة إنسان رأساً على عقب، إثر حادث سير عابر، أو إصابة عمل مفاجئة، أو سقوط غير متوقع، وربما مرض، وهي أسباب كفيلة بأن تحوّل إنساناً كان في كامل قوته وعافيته إلى شخص يحتاج إلى السير بكرسي متحرك، أو يستند إلى عكاز طبي، وربما يعتمد على طرف اصطناعي وغيرها، نتيجة الإصابة بإعاقة قد تغير مجرى حياته.
وهؤلاء هم حديثو العهد بالإعاقة، الذين عاشوا تفاصيل حياتهم الطبيعية، ثم فرضت عليهم الأحوال واقعاً جديداً لم يكن في الحسبان، فما إن تسقط الصدمة الأولى على المعاق الجديد، حتى تبدأ رحلة نفسية شاقة ومعقدة، لا تقل صعوبة عن رحلة التأهيل الجسدي.
قد ترفض جهة عمل أي منهم استمراره فيها، بعد أن أصبح عاجزاً عن تسيير شؤون متطلباته الوظيفية. كما يفقد محيطه الأسري الأسلوب الصحيح في التعامل معه، بينما في أغلب الأحيان، يقع المعاق في براثن الإحباط واليأس، والرفض النفسي لقبول ما حل به.
يرى د. جاسم السويدي، أن المعاق حديثاً يمضي في مراحل متتالية تبدأ بالصدمة والارتباك، تليها حالة الإنكار والتشكيك في الواقع، ثم تندلع مشاعر الغضب والاحتجاج على القدر، لتنتهي - بعد جهد جهيد - بمرحلة القبول، والبدء بإعادة بناء الذات.
جاسم السويدي
وفي خضمّ هذه المعاناة الفردية، تبرز الأسرة خط الدفاع الأول، والرافد الأهم في معركة التأقلم، فالإعاقة حين تحل بأحد أفراد الأسرة لا تصيبه وحده، بل تصيب البيت بأكمله، فتنقلب موازين الحياة، وتتغير الأدوار والمسؤوليات، وتواجه الأسر ضغوطاً مالية كبيرة بسبب كلف العلاج والتأهيل، واستنزافاً جسدياً وعاطفياً قد يطال الوالدين، والأشقاء على السواء.
شركاء حقيقيون
شدد السويدي، على أن المؤسسات المعنية بشؤون ذوي الإعاقة مطالبة بتطوير برامج تأهيلية شاملة، تجمع بين إعادة التأهيل البدني، والعلاج النفسي، والدعم الاجتماعي، لتعيد للمصاب ثقته بنفسه وقدرته على العطاء، وتفعيل التشريعات والقوانين التي تكفل حقه في التعليم الجيد، والعمل اللائق، والتنقل السلس، وتهيئة البيئة المعمارية والتقنية لتكون في خدمته، ومن الواجب النظر إلى هؤلاء بعين الإعجاب، وليس العطف الممجوج، ومنحهم المساحة الكافية ليكونوا شركاء حقيقيين في بناء المجتمع.
فئة مهمشة
ذهب حيدر طالب أربيع، الأمين العام للاتحاد العالمي للمعاقين، إلى أن فئة الإعاقة المكتسبة التي لا يولد بها الإنسان، من أكثر الفئات تهميشاً، رغم أنها تحتاج إلى رعاية وتأهيل خاصين يختلفان عن العلاج الطبي. لأنه عندما يتعرض شخص لحادث ينصبّ الاهتمام الأول على إنقاذ حياته، وعلاج الكسور، والجروح، والإصابات داخل المستشفى، وبعد انتهاء العلاج وخروج المريض بإعاقة مكتسبة تبدأ المرحلة الجديدة الأصعب، وهي التكيف مع الإعاقة، حيث قد يخرج من دون أن يتلقى أي تدريب أو تأهيل، يساعدانه على التعايش مع واقعه.
حيدر أربيع
وفي كثير من الحالات، يتعامل الأهل مع الشخص بدافع الشفقة والخوف عليه، فيُخصصون له غرفة، ويوفرون له عاملاً أو عاملة لمساعدته في جميع شؤونه، فيتحول تدريجياً إلى شخص معزول بين أربعة جدران، يعتمد على الآخرين في كل تفاصيل حياته، ليس لأنه غير قادر، بل لأنه لم يُمنح الفرصة ليتعلم كيف يعيش باستقلالية.
مهارات أساسية
يؤكد حيدر طالب، أن هناك مهارات أساسية يجب أن يتعلمها كل من يكتسب إعاقة، ومن أهمها تعلم الجلوس الصحيح على الكرسي المتحرك، واستخدامه والتنقل به بأمان، وكيفية ارتداء الملابس وتبديلها، سواء أثناء الجلوس أو الاستلقاء. وأساليب النظافة الشخصية، وتعلم الاعتماد على النفس في أداء المهام اليومية بقدر الإمكان، وغير ذلك.
ولفت إلى أن إعادة التأهيل ليست رفاهية، بل حق أساسي لكل شخص تصيبه إعاقة، فكثير من أصحاب الإعاقات الطارئة كانوا قبل إصابتهم أصحاب شهادات علمية، وخبرات مهنية، ووظائف مهمة، وكانوا عناصر منتجة في المجتمع. وإذا حصلوا على التأهيل الصحيح، فإنهم قادرون على العودة إلى الإنتاج والعطاء والمشاركة الفاعلة في التنمية، بدلاً من أن يتحولوا إلى أشخاص يعتمدون كلياً على الآخرين.
نادي الثقة
يشرح محمد القايد، عضو مجلس إدارة «نادي الثقة للمعاقين» والمدير التنفيذي المكلف إدارة النادي، الدور المحوري للنادي في دعم حديثي الإعاقة، ومساعدتهم على التكيف مع حياتهم الجديدة، بتوفير بيئة آمنة، ومحفزة تعزز الثقة بالنفس، وتنمي القدرات البدنية والاجتماعية، بكونه منصة للتأهيل النفسي، والاجتماعي، واكتشاف الطاقات، والإمكانات الكامنة لدى الأعضاء.
محمد القايد
كما يسهم النادي في دمج ذوي الإعاقة في المجتمع، بإشراكهم في الفعاليات، والبطولات، والأنشطة المجتمعية، وإتاحة الفرص لهم للتفاعل مع مختلف فئات المجتمع، ما يعزز ثقافة التقبل، والتعاون ويحدّ العزلة الاجتماعية. وبالبرامج المتخصصة والدعم المستمر، يصبح النادي شريكاً أساسياً في رحلة التمكين، ليساعد حديثي الإعاقة، على تحقيق الاستقلالية، والنجاح، والمساهمة في بناء مجتمع أكثر شمولاً وتماسكاً.
نهج استباقي
يركز القايد على تأكيد خبراء في مجال التأهيل الاجتماعي أن رعاية «حديثي الإعاقة» تتطلب نهجاً استباقياً يجمع بين التأهيل النفسي، والتمكين المهني، والتحدي الأكبر الذي يواجهونه، يكمن في «الفجوة الانتقالية»، بما يتطلب تكثيف الشراكة بين المؤسسات والمجتمع، لتفعيل برامج الدمج الشامل، ونشر الوعي المجتمعي الذي يضمن حقوقهم في تكافؤ الفرص، ويحول الإعاقة من عائق إلى دافع للابتكار، والمساهمة في بناء الوطن.
زرع الثقة
أوضح د. لؤي سعيد علّاي النقبي، نائب رئيس مجلس الإدارة بنادي خورفكان للمعاقين، أن «دور النوادي إكساب حديثي الإعاقة المهارات المختلفة ضمناً، باحتكاكهم بزملائهم أعضاء النادي. ونبني مجتمعاً داخلياً، يجعل المعاق اليائس شخصاً منتجاً، بزرع الثقة بنفسه، بإشراكه في ممارسات داخلية مختلفة».
لؤي علّاي
نموذج ناشط
في إطار التوعية، تروي كلثم عبيد، من حديثي الإعاقات تجربتها بكلماتها: تجربتي خير دليل على تجاوز الإعاقة، فبعد العودة من رحلة التأهيل بدأت المواجهة والنجاح، بمشاركة الأصدقاء وجهة العمل والمجتمع. فيما أسهمت أسرتي في تقبلي الإعاقة، بتهيئة المنزل بما ضمن لي الاستقلالية، وشجعوني على مواصلة العمل، وتجاوز الخجل وأسئلة الفضوليين.
كلثم عبيد
وتتابع: أما الأصدقاء فأسهموا في وجودي في المرافق المختلفة، وكانوا أول من تعلم كيفية التعامل مع إعاقتي، وهم المناصرون والداعمون. بينما سهلت لي جهة العمل الأداء العملي، ومنحتني فرص التطوير والتنمية بالتساوي مع الزملاء، وأصبحت نائبة مدير الرعاية الصحية الأولية بعجمان.
وتضيف: مجتمعي جعلني أكون ممن يغير للأفضل عبر وجودي في المجتمع المدني، وعضويتي في جمعية أهالي ذوي الإعاقة، ونادي الثقة للمعاقين. ووطني شرفني بنقل صورة تمكين ذوي الإعاقة، بالمشاركة عربياً وعالمياً، وأعتز بأنني نموذج للشخص الإيجابي الناشط في الإعاقة.