ميثاء أحمد البسطي
دعني أسألك سؤالاً صادقاً: آخر مرة جلست مع ابنك بدون هاتف، متى كانت؟
الأولاد لا ينتظرون محاضرة ولا نصيحة. هم يراقبونك في صمت منذ اليوم الأول. كيف تتحدث، كيف تتصرف، كيف تعامل أمهم، كيف تواجه الصعوبات؟ أنت تربّيهم حتى وأنت لا تعلم. الابن لا يتذكر ما قلته له، يتذكر ما رآه فيك، ومنك يأخذ صورة الرجل الذي سيكونه.
الرجل العربي عُرف دائماً بأنه عمود البيت. وعمود البيت ليس من يدفع فقط، بل من يحمل ويسمع ويوجّه. وقتك معهم ليس ترفاً، هو واجبك الأول. وأجمل ما تعطيه لولدك ليس أحدث جهاز، بل أباً يجده كلما التفت.
قد تقول إن العمل لا يرحم وإن اليوم لا يتسع، وهذا صحيح، لكن طفلك لا يفهم الازدحام، يفهم أن أباه دخل البيت ولم يره. والحضور لا يقاس بالساعات، بل بأن تكون معه فعلاً، لا جسداً حاضراً وقلباً غائباً.
اجعل للبيت وقتاً محمياً، ساعة في المساء لا عمل فيها ولا هاتف، ستبني علاقة تدوم عمراً. تحدث معهم، لا إليهم، اسأل واستمع واهتم بتفاصيل يومهم الصغيرة. الطفل الذي يشعر أن أباه يسمعه لن يبحث عن أحد آخر يسمعه. علّمهم بالفعل لا بالكلام، خذ ابنك معك لو خرجت، واصطحبه إلى مجالس الرجال وجلسات البر وعلّمه كيف يحمل الصقر، هذه تربية لا تعوّضها أي مدرسة.
ولا تنسَ ابنتك. البنت التي يسمعها والدها ويحتفي بها، تعرف قيمتها، فلا ترضى بأقل مما تستحق.
وكن مرجعهم، حين يكبر ابنك ويمر بموقف صعب تريده يتصل بك أنت، لا أن يبحث عن إجابة عند غيرك. هذه الثقة تُبنى اليوم.
والطفل لا يلحُّ طويلاً. يطلبك مرة ومرتين وعشراً، فإذا لم يجدك كفّ عن الطلب. وسكوته ليس رضا، هو باب أُغلق بهدوء، ويصعب فتحه بعد سنوات.
الأبناء لا يرثون منك البيت ولا الاسم وحده، يرثون الصورة التي حفروها عنك في صمتهم الطويل. وفي يوم بعيد، حين تثقل الحياة على أحدهم ويحتاج إلى ما يستند إليه، لن يبحث عنك في مكان، سيجدك في نفسه. تلك هي التركة الوحيدة التي لا تُقسم ولا تنفد: أن يقول ابنك وقد صار رجلاً، «أبويا كان موجود».