منذ يونيو 2025 والعالم يعيش على وقع حرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تشتعل وتتوقف، بدأت بحرب الاثني عشر يوماً، وتوقفت نحو ثمانية أشهر، ثم عادت أشدّ وأعنف لمدة 40 يوماً، وتوقفت بناء على مذكرة تفاهم سرعان ما أسفرت عن «لا تفاهم»، لتعود وتندلع أمريكية إيرانية بعد خروج إسرائيل منها، لتتوقف الأسبوع الماضي لمنح المسار الدبلوماسي «فرصة محدودة»، للتوصل إلى اتفاق يراه كثيرون بعيد المنال، ثم عادت الحرب، الأربعاء الماضي، وليس مستبعداً توسعها.
اختارت أمريكا وإسرائيل لتسويق الحرب عالمياً عناوين: منع طهران من امتلاك قنبلة نووية، وتقليص ترسانتها الباليستية، وإنهاء نفوذها الإقليمي بتعجيزها عن دعم وتسليح ميليشياتها المسلحة المنتشرة في أكثر من دولة عربية. وهي أهداف استهدفت دفع دول العالم لتأييد الحرب، باعتبار أن امتلاك إيران للسلاح النووي سيفتح الباب أمام سباق تسلح خطر في الشرق الأوسط، لكن مسار الأحداث يثير أسئلة وشكوكاً حول الهدف الحقيقي من وراء هذه الحرب، فإذا كانت قد اندلعت تحت هذه العناوين، فلماذا انتهى المشهد إلى ما يشبه إعادة توزيع ساحات الصراع؟ ولماذا بدا أن إسرائيل، التي كانت المحرك الأساسي للتصعيد، خرجت تدريجياً من دائرة المواجهة المباشرة، بينما أصبحت دول الخليج أكثر عرضة للاعتداءات وانعكاساتها، الاقتصادية والأمنية؟
بعض المختصين يرون أن الهدف الحقيقي لم يكن إيران وحدها، بل البيئة الاقتصادية الجديدة التي تشهدها منطقة الخليج، فمنذ سنوات، لم تعُد دول الخليج مجرد منتج للنفط، وإنما تحولت إلى واحدة من أسرع مناطق العالم نمواً. مدن ذكية، ومناطق اقتصادية عملاقة، ومراكز مالية عالمية، واستثمارات مليارية في السياحة، والصناعة، والتقنية، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، فضلاً عن موانئ ومطارات تنافس أكبر المراكز الدولية. هذا التحول منح منطقة الخليج ثقلاً، سياسياً واقتصادياً، غير مسبوق، وجعلها لاعباً رئيسياً في الاقتصاد العالمي. ولا شك في أن استمرار هذه النهضة يتطلب عنصراً أساسياً هو الاستقرار.
اللافت أن إسرائيل، التي دفعت بقوة نحو خيار المواجهة مع إيران، لم تظل في قلب المعركة بالوتيرة نفسها، فبعد حرب الأربعين يوماً، بدا وكأن هناك حرصاً على منع اتساع دائرة الاستهداف داخل إسرائيل، بينما بقيت دول الخليج هدفاً للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، حيث توجه ضرباتها للجيران الأكثر سعياً وحرصاً على استقرار وأمان المنطقة.
الحروب الحديثة لا تستهدف الجيوش بقدر ما تستهدف الاقتصاد، فتعطيل منشأة نفطية، أو تهديد الملاحة البحرية، أو استهداف محطة كهرباء، أو إرباك حركة الطيران، قد يحقق أثراً استراتيجياً يفوق في بعض الأحيان تدمير موقع عسكري. ومن هنا، فإن توجيه الأنظار نحو البنية التحتية الخليجية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل قد يكون جزءاً من معركة تستهدف إبطاء مسيرة التنمية، وإرباك خطط التحول الاقتصادي، وإذا كانت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مباشرة، فلماذا لا توجه إيران صواريخها ومسيراتها نحو القطع البحرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، بدلاً من توجيهها نحو الجيران، وكأن الهدف الأساسي هو الحد من ازدهار دول المنطقة وإبقائها رهينة لأيّ تصعيد سياسي أو عسكري؟
إن أخطر ما في هذه الحرب ليس عدد الصواريخ التي أطلقت، ولا حجم المنشآت التي دمرت، وإنما الإصرار على استهداف دول الخليج فيها، بعد استبعاد إسرائيل من دائرة الاستهداف، وأيضاً جنود أمريكا، وبوارجها، وعتادها المنتشر في المياه القريبة من إيران، فالهدف هو التنمية والازدهار والتطور الخليجي فقط. وعندما تكون المدن الحديثة، والمشروعات العملاقة، والموانئ العالمية، وشبكات الطاقة، والمراكز المالية أهدافاً محتملة، فإن الرسالة تتجاوز أطراف الصراع إلى مستقبل المنطقة كلها.
المعركة الحقيقية اليوم ليست حول تخصيب اليورانيوم أو الصواريخ الباليستية فقط، بل حول كيفية حماية نموذج عربي استطاع أن يحول الصحراء إلى مركز اقتصادي عالمي، وجعل من الاستقرار أساساً للتنمية، وربما لهذا السبب، فإن الحفاظ على النهضة الخليجية أصبح اليوم معركة لا تقل أهمية عن أيّ معركة عسكرية، لأنها معركة الدفاع عن المستقبل في مواجهة منطق الفوضى والاستنزاف.
