من غير المنطقي أن تستمر المفاوضات حول إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية إلى الأبد، بينما تستمر المنطقة والعالم بأسره في تحمل أعباء المناورات والخدع الإيرانية إلى ما لا نهاية.
لا يوجد أي عاقل في المنطقة والعالم يرغب في استمرار الحرب أو توسيعها، إذ إن تداعياتها ستلحق ضرراً بالجميع بدءاً من إيران ودول الجوار مروراً بالاقتصاد العالمي، وصولاً إلى الداخل الأمريكي. ولكن، في الوقت نفسه، لم يعد ممكناً أن يبقى المجتمع الدولي أسيراً لرغبات دولة واحدة تريد فرض إرادتها على الجميع وفق مقولة «أنا ومن بعدي الطوفان». كما أنه لم يعد ممكناً الاستمرار في حالة المراوحة والغموض والضبابية، ولا ازدواجية المواقف والتناقضات الناجمة عن الانقسامات الإيرانية الداخلية، ما بين إبداء الرغبة في العودة إلى المفاوضات، ونفيها في آن، على الرغم من استمرارها خلف الكواليس. فالدبلوماسية يمكن أن تمنح مرة أو مرتين أو ثلاثة، ولكنها لن تمنح طوال الوقت، في ظل تهديد الاستقرار العالمي، أي أنها لن تسمح بفرض واقع جديد يفضي للسيطرة على مضيق دولي، تمر عبره خمس احتياجات النفط والغاز المسال ويعتبر شريان حياة للتجارة العالمية.
وحسناً فعل الرئيس ترامب عندما منح فرصة أخيرة لإيران من أجل التوصل إلى اتفاق يفضي إلى فتح المضيق دون أية قيود باعتباره ممراً دولياً، بحكم القانون الدولي، أو مواجهة عواقب لا يمكن التكهن بنتائجها. إذ «ليس في كل مرة تسلم الجرة»، كما يقولون، وليس سراً أن البديل عن التوصل إلى «اتفاق جيد»، هو التدمير الشامل للبنية التحتية الإيرانية، بما في ذلك كل مواقع الطاقة من مصاف للنفط ومحطات كهرباء، والجسور والمصانع والمرافق الخدماتية وغير ذلك، ما يعني خلخلة الأسس والمرتكزات التي يقوم عليها النظام. لكن مع كل جولة تصعيد جديدة بين واشنطن وطهران، يتجدد السؤال حول ما إذا كانت المنطقة تقف على أبواب حرب إقليمية شاملة، أم أن ما يجري سيبقى في إطار التصعيد المحسوب أو يندرج ضمن سياسة إدارة الصراع التي تتيح للأطراف توجيه الرسائل العسكرية والسياسية من دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة.
إن الرد الانتقامي الإيراني، كما بات معروفاً، يستهدف دول الجوار وعموم المنطقة، والتي لطالما سعت وتسعى، ليس فقط إلى خفض التصعيد، وإنما للتوصل إلى تسوية سياسية تحفظ حقوق الجميع، وتعيد الحياة والأمن والاستقرار للمنطقة على قاعدة المصالح المشتركة. فلا مصلحة لأحد في استمرار حالة الفوضى، أو خلق حالة من العداء الأبدي بين جيران قدرهم أن يعيشوا معاً في هذه المنطقة. لكن واقع الحال يقتضي التخلي عن الغطرسة، والإصغاء إلى صوت العقل والحكمة، وأولى الخطوات على هذا الطريق، هي العودة إلى «مذكرة التفاهم» التي وقعها الجانبان الإيراني والأمريكي تحت سمع وبصر العالم، وما قد يتطلبه الأمر من تقديم تنازلات متبادلة، تفضي إلى تسوية سياسية مقبولة للجميع، بدلاً من الغرق في مستنقع الحرب المفتوحة على كل الاحتمالات.