موضي الشامسي
كثيراً ما نقيس الرزق بما نملك من مالٍ وجاهٍ، وبما نحققه من نجاحات متتالية وإنجازات مهمة. لكن نجد أن هناك أرزاقاً أعظم أثراً في حياتنا، باقية ولها حضور في سنوات عمرنا؛ إنها رزق الأخلاق.
فالأخلاق ليست مجرد سلوك نعيشه ونتعلمه ونعمل به؛ الأخلاق مزايا وقواعد نلتزم بها، بل هي من نعم الخالق علينا يهبها الله لمن يشاء جلّ جلاله، ويُعيننا عليها كلما سعينا لها.
الأخلاق هي ذلك الضياء الذي يرافق الإنسان طوال حياته، بحديثه، وتعاملاته، ومواقفه، ما يجعله مقبولاً بين أفراد المجتمع، ومحبوباً وحاضراً في قلوبهم وفي ذاكرتهم بصورة جميلة.
فكلما تأمّلنا علاقاتنا الإنسانية ندرك أن كثيراً من هذه العلاقات هي روابط لا تكون مبنية على المصالح الخاصة، وإنما على الخلق الحسن.
فكم من علاقات استمرت سنوات طويلة بين البشر أساسها كلمة طيبة، وموقف جميل.. وكم من العلاقات انتهت بسبب كلمة جارحة ومواقف سلبية.
العلاقات أساسها الحِلم والتسامح والاحترام والتقدير، فالأخلاق في حقيقة الأمر استثمار يومي في الإنسان والعائد هو المحبة والثقة والطمأنينة.
ولو نظرنا إلى هذا الأمر في الأسرة تحديداً، سنجد أن رزق الأخلاق وقيمة هذا الرزق تظهر بوضوح في العلاقات الأسرية؛ فالأب والأم عندما يقدمان لأبنائهما النموذج الصحيح في جمال الأخلاق، من صدق ورحمة واحترام، فهما يقدمان للمجتمع أبناء صالحين، ليكون هناك جيل قادر على صناعة علاقات إنسانية متوازنة ومستقرة.
إن أجمل ما في الأخلاق أنها رزق متجدد، فكلما منحنا من حولنا لُطفاً واحتراماً، عاد إلينا مضاعفاً في صور مختلفة، كالدعاء لنا أو إظهار المحبة والاحترام، لذلك نجد أن أصحاب الأخلاق الرفيعة أثرياء، وثرواتهم لا تُقاس بالأرقام والحسابات، وإنما بما تتركه من أثر في القلوب والمواقف والذكريات.
ومع الزمن المتغيّر تبقى الأخلاق هي الثابت الوحيد الذي لا يفقد قيمته أبداً، واللغة الوحيدة التي يفهمها جميع البشر مهما اختلفت الثقافات والأعمار.
فالأخلاق أساس العلاقات الناجحة، لذلك لا بدّ أن نؤكد أنها ليست خياراً تكميلياً في حياة المجتمعات، بل رأس مالٍ إنسانيّ حقيقي.
وأعظم ما يورثه الإنسان لذريته ومجتمعه، هو الخلق الحسن والأثر الطيّب؛ فإذا كان المال رزقاً، والصحة رزقاً والعلم رزقاً، فالأخلاق هي الرزق الأعظم الذي يمنح النعم معنى وقيمة، وتجعل صاحبها جميل الأثر أينما تكون خطاه ووجوده؛ فاللهم اجعلنا من أصحاب الخلق الطيب.
* رئيسة مؤسسة الشارقة للتنمية الأسرية
