عادة ما تبرز ظاهرة الهجرة غير النظامية بين فضاءين متباينين على المستوى التنموي، فهناك عوامل طاردة من جهة أولى، يمكن تلخيصها في الفقر والبطالة والتهميش واليأس وغياب الثقة في المستقبل وضعف قنوات التنشئة السياسية والاجتماعية، وعوامل جاذبة من جهة ثانية، يمكن إجمالها في وجود فرص العمل، واحترام الحقوق والحريات، والتسويق الإعلامي، وتمثلات الشباب لدول المقصد.
ويشكّل الفضاء المتوسطي إحدى أبرز المناطق المعنية بانتشار هذه الظاهرة على المستوى العالمي، مع انتشار شبكات تهريب البشر، وتنامي المعضلات الأمنية والسياسية والاجتماعية في عدد من البلدان الإفريقية والعربية التي تدفع الأفراد إلى الهجرة بحثاً عن فضاءات آمنة. غير أن هذه الرحلات غالباً ما تتحوّل إلى مآسٍ إنسانية بفعل ظروف التنقل، أو بالغرق في عرض البحر بمراكب مهترئة تفتقد أبسط شروط السلامة، ما جعل الكثير من المنظمات الدولية ذات الصلة تعتبر البحر الأبيض المتوسط «مقبرة جماعية» للمهاجرين.
قبل أيام، انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي أخبار تفيد بصدور حكم قضائي إسباني يمنع «الإعادة الفورية» للوافدين إلى الحدود بحراً، وهو ما حمّس الكثير من الشباب على ركوب غمار الهجرة غير الشرعية عبر باب سبتة.
وفي ظرف قياسي وصل أكثر من 60 ألف مهاجر مغربي من نساء ورجال وأطفال وشباب وكهول إلى سبتة ضمن رحلة قاسية خلّفت عدداً كبيراً من الضحايا.
أسهم هذا العبور في إنعاش الخطابات المتطرفة والتحريضية من لدن الأحزاب وقادة اليمين المتطرف داخل عدد من البلدان الأوروبية، بين من تحدث عن «الغزو الإسلامي»، ومن دعا إلى تشديد التدابير والإجراءات على الحدود الأوروبية، وترحيل كل المهاجرين غير النظاميين فوراً إلى بلدانهم، فيما اكتسحت الخطابات العنصرية ضد المهاجرين عدداً من منصات التواصل الاجتماعي.
وبغضّ النظر عن السياقات التي رافقت هذا العبور، وسواء كان الأمر يتعلق بتحرك تلقائي بحثاً عن وضع اجتماعي أفضل، أو بتساهل إسباني مع العابرين لترك هؤلاء عرضة للجوع والعطش، لدفعهم نحو العودة الطوعية وإقناعهم بعدم التفكير مطلقاً في إعادة التجربة المريرة مرة أخرى، أو تعبيراً من المغرب عن رفض لعب دور «دركي المرور» لمواجهة الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا بشكل عام وإسبانيا على وجه الخصوص، فإن الصور الصادمة لجموع العابرين، والتي انتشرت بسرعة كالنار في الهشيم، تدفع إلى طرح كثير من الأسئلة حول الأسباب التي دفعت فئات مجتمعية واسعة ومن طبقات اجتماعية مختلفة إلى ارتكاب هذه المجازفة الخطِرة التي خلفت أكثر من 60 وفاة.
حقيقة أن الأمر يسائل نجاعة السياسات العمومية في المجال الاجتماعي على مستوى توفير فرص العمل والحدّ من الفقر، وتعزيز العدالة، وتطوير منظومة التعليم لتكون في مستوى الإشكالات الاجتماعية والمهن الجديدة. غير أن هذه الهجرة الجماعية وعلى قساوتها، وبخاصة فيما يتعلق بوفاة عدد كبير من الأشخاص، أبانت الكثير من الحقائق، فمن جهة أولى، أظهرت لكثير من العابرين الذين عادوا لبلدهم تلقائياً، أن الصور الرائجة حول الحلم الأوروبي تظل في مجملها مجرد إشاعات، بعدما تعرض الكثير منهم للصدمة بمجرد اجتياز الحدود، على وقع الجوع والعطش.
وعلى المستوى الجيوسياسي، أتاحت هذه الأحداث التي تناقلتها وكالات الإعلام الدولية وشبكات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، إعادة النقاش حول مستقبل مدينتي سبتة ومليلية.
إن قضية الهجرة غير النظامية تظل عنصراً أساسياً في رسم مستقبل العلاقات المغربية – الأوروبية بشكل عام، والمغربية – الإسبانية على وجه الخصوص، واعتباراً لموقعه الجغرافي، يبدو أن قناعة إسبانيا ودول أوروبا ستزداد تحت وقع هذه الأحداث المؤلمة بأن التعامل مع ملف الهجرة يتطلب إرساء مقاربات إنسانية تتجاوز المبالغة في استحضار البعد الأمني، والتخلي عن النظر إلى دول الضفة الجنوبية من المتوسط بما فيها المغرب كمجرد «شرطي مرور» لتنظيم التدفقات البشرية، ناهيك عن تعزيز الشراكة بين الجانبين في سبيل تدبير هذا الملف الإنساني.
وأخذاً بعين الاعتبار لتداعيات الظاهرة على دول الاتحاد الأوروبي التي طالب بعضها، كما هو الشأن بالنسبة لإيطاليا، بتعليق العمل باتفاقية «شنغن» مع إسبانيا، فمن المحتمل أن تتعزز الشراكة المغربية – الأوروبية في إطار التعاون للحد من الهجرة غير النظامية، ودعم قضية الصحراء المغربية، وبخاصة بعد تحول المغرب من بلد عبور إلى بلد استقرار لعدد من القادمين من مختلف البلدان الإفريقية والراغبين في الوصول إلى الضفة الشمالية من المتوسط.
إن وقف زحف الهجرة غير النظامية وتحويل هذه المأساة الصادمة إلى فرصة لتجاوز الكثير من الإشكالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تغذّي الشعور باليأس والخوف من المستقبل، يتطلب جهوداً جماعية لتدارك الأسوأ وإعادة الثقة في النفس بالنسبة للشباب، من خلال إطلاق ورش اجتماعية توفر فرص العمل، وتعزز الولوج إلى الخدمات الصحية، وتبنّي تنشئة اجتماعية تقودها مختلف القنوات من تعليم وإعلام وهيئات مدنية وقطاع خاص تعزز الشعور بالمواطنة.
