من يبحث عن أي موضوع أو رواية أو قصة من قصص التراث العربي، لابد وأنه واجه تلك المعضلة المتعلقة بتعدد الروايات حول الحدث نفسه، والذي قد يرد بأشكال وتفاصيل مختلفة كل منها يدفع بنفسه بأنه المرويّة الأصح، ولو بحثت مثلاً عن قصة المثل العربي الشهير «سبق السيف العذل»، ستجد نفسك أمام أكثر من قصة نشرت في كتب معتبرة وعلى صفحات وسائل إعلامية عريقة، فالرواية الأشهر تنسبه إلى ضبة بن أد، حين قتل قاتل ابنه سعيد، وهناك روايات أخرى تنسب المثل إلى الحارث بن ظالم، فيما تظهر في بعض المصادر روايات مختلفة في الأسماء والتفاصيل، وهكذا تصيبك الحيرة ويصبح ما يشغل بالك ليس قصة المثل، ولكنك تنشغل بقضية أي رواية منها أقرب إلى الحقيقة، وأي منها يمكن أن تعتمد في بحثك أو مقالتك.
وهنا تدرك أن هذا البحث البسيط عن قصة تراثية، قد فتح باباً واسعاً على مشكلة أكبر في علاقتنا التحقيقية بالتراث العربي، فنحن نملك تراثاً هائلاً من الأخبار والسير والأنساب والأمثال والرحلات والوقائع، ولكن كثيراً من هذا نعرفه ووصل إلينا عبر روايات متباينة، تناقلها الرواة، ثم نقلها المؤلفون من كتاب إلى آخر، حتى أصبح «تكرار الرواية» في بعض الأحيان بديلاً عن التحقق منها، لذلك نعتمد معها مصطلح «وتقول الرواية الأشهر» لنعفي أنفسنا من حرج التضليل وقلة الحيلة في التحقيق.
وبالطبع لا يعني ذلك أن كل رواية متداولة خاطئة، ولكنها قد تحتمل الصحة وقد تحتمل الخطأ، والتراث العربي بحاجة إلى محاكمة وبحاجة إلى تحقيق، ونحن بحاجة ماسة إلى دراسات تبحث عن أقدم مصدر للخبر ومن نقله، وهل سبقه مصدر آخر، وهل تتفق الروايات في الأسماء والأماكن والأزمنة.
ربما آن الأوان لمشروع عربي واسع يهدف إلى تحقيق المرويات التراثية، نبحث فيه عن الإنصاف بكل موضوعية، ونعيد من خلاله الروايات إلى مصادرها، ونكشف طبقاتها، ونضع أمام القارئ ما نعرفه وما لا نعرفه، نحن نحتاج إلى مشروع يتجاوز العمل الفردي التحقيقي، ورغم تقديرنا وامتناننا لكل باحث ومحقق، فالمهمة أكبر وأكثر تعقيداً من أن ينجزها مجموعة من الباحثين، نحن نعيش اليوم في أفضل عصر يمكن أن ننجز فيه مثل هذا المشروع، فقد أصبحت ملايين الصفحات متاحة رقمياً، وتطورت تقنيات التعرف على النصوص، وأصبح «الذكاء الاصطناعي» قادراً على مقارنة آلاف الروايات، وتتبع الأسماء والعبارات، واكتشاف التشابهات، وربط النصوص بمصادرها، وهو عمل كان في وقت سابق يحتاج إلى سنوات من العمل اليدوي.
إن التحقق من المرويات التراثية، هو بكل تأكيد ينصفها ويستعيد بريقها الأول.
