الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أوراق منسية

3 أغسطس 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 3 أغسطس 00:04 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
كان فرانز كافكا كاتباً عاش حياة أثارت فضول العديد من الباحثين والدارسين، فالرجل الذي عرف بأنه مرهف الحس، الميال للعزلة والوحدة، والحزين أيضاً، حين أدرك أن أيامه الأخيرة قد اقتربت، يقال إنه قد أوصى صديقه الأقرب ماكس برود وصية أثارت الكثير من الجدل واللغط، حين طلب من برود أن يحرق كل ما تركه خلفه من مخطوطات ورسائل ويوميات، ولو أن هذه الحادثة قد تم نفيها في كتاب «رسائل إلى ماكس برود-1904 ـ 1924» حيث تظهر لنا من خلال المراسلات أن الموقف كان معكوساً، وأن برود هو من طلب أن تحرق مخطوطاته.
على كل حال وإذا ما تركنا الجدل حول الرجلين والحادثة في حد ذاتها، ونظرنا من زاوية أخرى وهي ما تهمنا، ما فعله «برود» بعد وفاة كافكا، جمع وحفظ أوراق صديقه ومخطوطاته ثم نشرها تباعاً، ومن بين تلك الأوراق خرجت أعمال أصبحت اليوم من كلاسيكيات الأدب العالمي، مثل «المحاكمة» و«القلعة»، ما فعله برود يعتبر شيئاً عظيماً في تاريخ الأدب، فقد أنقذه من خسارة لا تعوض، ومن المؤكد أن الإنسانية مدينة لذلك الفعل النبيل الذي أنقذ جزءاً من ذاكرتها الأدبية.
نتحدث عن هذه الحادثة ونعيد ونكررها، لتكون مدخلاً نموذجياً لفكرة البحث والاستقصاء في أرشيفات مبدعينا، فكم من قصيدة مخطوطة بقيت في أدراج صاحبها بعد رحيله، وكم من مقال ورواية وقصة خسرنا عندما لم نبحث ولم ننشر، لعل هذا السؤال يحتاج إلى الوقوف عنده طويلاً، فحجم الخسارة بحجم ألم الفقد، والأرشيف الذي يظل بعد رحيل المبدع من دفاتر، ومسودات، وقصائد لم تكتمل، ونصوص لم تصل إلى المطبعة، هي أرث أدبي حقيقي غائب عن القارئ، لا يكفي أن تبقى محفوظة في بيت الأسرة.
ليست الدعوة هنا إلى نشر كل ورقة يعثر عليها، فليس كل ما يكتبه المبدع صالحاً للنشر، وليس كل مسودة تستحق أن تتحول إلى مطبوع، لكن بين الإحراق والإهمال من جهة، والنشر العشوائي من جهة أخرى، توجد منطقة ثالثة أكثر توازناً وحكمة، تقوم على الحفظ والفهرسة، والتحقيق العلمي، ثم اتخاذ القرار الثقافي المناسب بخصوصها.
تبني الثقافات الكبرى ذاكرتها على الكتب المنشورة، وعلى الأرشيف أيضاً، فالعديد من اليوميات والمراسلات والدفاتر الشخصية كثيراً ما أعادت قراءة تاريخ الثقافة والأدب من زاوية جديدة، لذا نحتاج إلى وعي ثقافي حقيقي بأهمية هذه الكتابات الغائبة، والتعامل معها على أنها جانب من تاريخنا الثقافي، لا مجرد أوراق منسية في أدراج مغلقة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة