كشفت مفاوضات روما الأخيرة بين لبنان وإسرائيل أن الطريق إلى حرية لبنان ليس سهلاً، بقدر ما هو مسار طويل ومعقد، نظراً لتشابك عوامل كثيرة داخلية وخارجية كانت حاضرة دوماً على طاولة التفاوض، لكنه أيضاً طريق يستحق المحاولة، بعد أن اتضح أن لا بديل عن هذا الخيار.
منذ البداية، دخل لبنان مسار العملية التفاوضية وهو يدرك أن حسم القضايا الخلافية التي تراكمت منذ عقود لا يمكن أن يتم في جولة واحدة أو حتى في عدة جولات، خصوصاً أنه لا يمتلك من أوراق الضغط سوى حقوقه المشروعة في أرضه ووطنه، وحصر السلاح بيد الدولة، معتمداً أيضاً على دعم المجتمع الدولي، مــقابل إنهاء حالة العداء مع الجانب الإسرائيلي.
في مـــفاوضات روما الثانية، اصطدم لبنان بالتعنت الإسرائيلي الرافض لتقديم أي تنازلات في مجال توسيع «المناطق التجريبية» وتثبيت وقف إطلاق النار. وواكبت إسرائيل تلك المفاوضات بتصعيد ميداني في جنوب لبنان، اتضح أنه لم يكن مبرراً، لكنه دائماً ما يدخل في إطار الاستراتيجية الإسرائيلية المعتمدة، وهي «التفاوض تحت النار» كما في كل تجارب المفاوضات التي خاضتها سابقاً.
الأسوأ، أن إسرائيل حاولت نقل هذا التصعيد العسكري إلى طاولة التفاوض للضغط على المفاوض اللبناني، من أجل تقديم تنازلات تتساوق مع الأهداف والمصالح الإسرائيلية. ولكن المفاوض اللبناني، على العكس من ذلك، نجح في تحقيق تقدم إيجابي في بعض الملفات المهمة مثل الحدود والأسرى، وأيضاً التوافق على الدولة الثالثة التي ستُكَلَّف بمهمة التحقق من خلو «المناطق التجريبية» من السلاح وعناصر «حزب الله»، وهو ما يعكس إرادة لبنانية جادة في التوصل إلى نهايات حاسمة لعملية التفاوض، لا يبدو أنها متوفرة لدى الجانب الإسرائيلي؛ إذ يدرك الجميع استحالة تقديمه أي نوع من التنازلات المهمة، خصوصاً في مجال الانسحابات و«المناطق التجريبية» قبل نحو شهرين من الانتخابات التشريعية، حتى في ظل الضغط الأمريكي لو حدث. ناهيك عن أن المقاربة الأمريكية لا تزال تربط لبنان بالتوتر الإقليمي الناشئ في المنطقة، ومآلات الصراع الدائر حول مضيق هرمز وإمكانية العودة لمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية.
ينبغي الأخذ في الاعتبار أن إطالة أمد المفاوضات من دون تحقيق نتائج ملموسة، حتى وإن كان الصبر اللبناني مطلوباً، قد تريح الجانب الإســرائيلي، الذي يبقى ضمن دائرة التفاوض من دون تقديم أي تنازلات أو أثمان، كما أنه يتجنب إغضاب واشنطن، لكنه ربما يوفر ذريعة للمشككين أصلاً في جدوى المسار برمته. وبالتالي فإن الأولوية باتت تقتضي منع تحويل المفاوضات إلى هدف بحد ذاتها، أو إلى «مفاوضات مفتوحة»، خشية حدوث تطورات مفاجئة قد تقلب الأوضاع رأساً على عقب. وهو ما يتطلب ضغطاً أمريكياً قوياً لتسريع المفاوضات، وعدم تركها رهينة للرغبات الإسرائيلية، ويتطلب من المجتمع الدولي مضاعفة الجهود لتقديم كل أشكال الدعم والمساندة لتمكين لبنان من انتزاع حريته وتأمين حدوده واستعادة سلطته على كل أراضيه وإعادة بناء الدولة بما يحقق الاستقرار والأمن له ولعموم المنطقة.