الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

اتفاقية مكة.. الغموض المنضبط كأداة للردع

9 أغسطس 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 9 أغسطس 00:08 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في بيئة شرق أوسطية معقدة تتسارع فيها التحولات الأمنية، وتتداخل فيها الحرب التقليدية مع الهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة وحرب المعلومات والعمليات في «المنطقة الرمادية»، تأتي «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان في توقيت يتجاوز دلالته السياسية المباشرة.
والأهم هنا ليس فقط ما أعلنته الدول الثلاث، وإنما ما يمكن أن يعنيه الغموض المنضبط في هندسة الردع الإقليمي.
والغموض المنضبط يختلف عن الغموض المطلق. فهو لا يعني غياب الالتزام، وإنما إبقاء بعض تفاصيله خصوصاً طبيعة الاستجابة وتوقيتها ومدياتها خارج دائرة الإعلان، بما يمنح صانع القرار هامشاً للمناورة، ويمنع الخصم من بناء حساباته على ردٍّ معروف سلفاً.
ومن منظور الردع، فإن هذه المساحة قد تكون ذات قيمة استراتيجية. فالخصم لا يدرس فقط حجم القوة التي سيواجهها، بل يحاول تقدير الإرادة السياسية، وسرعة القرار، ومجال الرد، وقدرة الأطراف على تحمل التصعيد. وكلما تعذر عليه بناء سيناريو موثوق للنتائج، ارتفعت كلفة المغامرة.
وتكتسب الاتفاقية خصوصيتها من اختلاف مصادر القوة بين أطرافها. فالسعودية تمتلك ثقلاً اقتصادياً وجيوسياسياً وموقعاً محورياً في الخليج والبحر الأحمر، إلى جانب قدرات دفاعية وشراكات دولية واسعة.
وتركيا تمتلك ثقلاً عسكرياً وصناعياً متنامياً، وموقعاً استراتيجياً يربط عدة مسارح أمنية، وخبرة عملياتية متراكمة. أمّا باكستان، فتضيف وزناً عسكرياً وجغرافياً مهمّاً في جنوب آسيا، فضلاً عن كونها دولة نووية.
لكن أهمية هذا التنوع ليست في جمع القدرات، بل في تكاملها واختلاف وظائفها. فالقوة الردعية لا تتشكل بالضرورة من تشابه الجيوش، وإنما من قدرتها على إنتاج معادلة تجعل حسابات الخصم أكثر تعقيداً وتغييراً في قواعد الاشتباك التقليدية.
وهنا تظهر إحدى أهم وظائف الغموض المنضبط: منع اختبار العتبة.
ففي الصراعات الحديثة قد لا يبدأ الخصم بحرب شاملة، بل يتحرك تدريجياً عبر هجوم سيبراني، أو استهداف بنية تحتية، أو تعطيل الملاحة، أو عمليات غير نظامية، أو استخدام أدوات يمكن إنكار مسؤوليتها. وإذا كانت قواعد الرد معلنة بالكامل، يصبح من الممكن اختبارها خطوة بعد أخرى.
أمّا حين تكون بعض الحدود غير معلنة، فإن السؤال ينتقل من «متى سترد؟» إلى «إلى أي مدى يمكن أن يمتد الرد؟».
لكنّ الغموض له حدوده. فإذا رفع عدم اليقين لدى الخصم، يجب ألا يرفع في الوقت نفسه عدم اليقين بين الحلفاء. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام الاتفاقية هو تحويل التفاهم السياسي إلى قابلية عملياتية: تبادل معلومات، إنذار مبكر، تنسيق عسكري، تدريبات، أمن سيبراني، وتفاهم على إدارة الأزمات.
كذلك ينبغي عدم الخلط بين وجود باكستان كدولة نووية وبين قيام مظلة نووية ضمن الاتفاقية، فذلك يحتاج إلى التزامات معلنة لا يوفرها النص السياسي وحده. لكن وجود هذه القدرة يضيف، دون شك، طبقة أخرى إلى الحسابات الاستراتيجية المحيطة بالاتفاقية.
والأهم أن الاتفاقية لا تحتاج إلى إعلان خصم محدد حتى تنتج أثراً ردعياً. فقد تكون رسالتها الأوسع أن أمن المنطقة لا يجب أن يبقى رهين معادلة أحادية، وأن الدول الإقليمية قادرة على تنويع الشراكات وبناء قدرات ردع متعددة الطبقات.
خاتمة القول، إن الغموض في اتفاقية مكة ليس غياباً للرسالة، بل جزء منها: رسالة متعددة الاتجاهات إلى فاعلي الشرق الأوسط بأن اختبار أمن المنطقة لم يعد رهاناً مضمون النتائج، فحين لا يعرف الخصم حدود الرد، يصبح الغموض المنضبط نفسه أداةً للردع.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة