كشفت المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، عن حقيقة استراتيجية باتت أكثر وضوحاً من أيّ وقت مضى، وهي أن أمن الخليج العربي لم يعُد يحتمل إدارة الأزمات بمنطق ردود الفعل، أو الاعتماد الحصري على معادلات الردع العسكري، بل أصبح بحاجة إلى رؤية إقليمية جديدة تؤسس لاستقرار مستدام، يقوم على مزيج متوازن من القوة الرادعة، والحوار السياسي، وإدارة المصالح المشتركة.
لقد أثبتت الأحداث أن أيّ تصعيد عسكري واسع في الإقليم لا يقتصر أثره على أطراف النزاع، وإنما يمتد سريعاً إلى دول الخليج، واقتصاداتها، ويهدّد أمن الطاقة العالمي، ويعرّض الممرات البحرية الحيوية وسلاسل الإمداد الدولية لمخاطر مباشرة. ومن ثم، فإن الحفاظ على استقرار الخليج لم يعد شأناً، محلياً أو إقليمياً فحسب، بل أصبح ضرورة تمسّ الاقتصاد العالمي بأسره.
في هذا السياق، تكتسب أيّ مبادرة تقودها المملكة العربية السعودية لاستضافة حوار خليجي إيراني أهمية تتجاوز بُعدها الدبلوماسي، لأنها تمثل محاولة لإعادة تعريف مفهوم الأمن الخليجي من إطار يقوم على إدارة الأزمات إلى إطار أكثر شمولاً، يقوم على إدارة الاستقرار، وبناء الثقة والمسؤولية الأمنيه المشتركة، من دون انفراد طرف على حساب أطراف في هذا الإقليم.
فالمبادرة لا تستهدف معالجة أزمة بعينها، بل تسعى إلى تأسيس بيئة إقليمية أكثر قدرة على احتواء الخلافات، ومنع تحوّلها إلى مواجهات مفتوحة.
وتنطلق الرياض في هذه المقاربة من إدراك متزايد بأن أمن الخليج مسؤولية إقليمية مشتركة، في المقام الأول، حتى مع استمرار أهمية الشراكات الدولية في حفظ التوازن الاستراتيجي. فقد أثبتت التجارب أن القوى الدولية، مهما بلغت قدراتها العسكرية والسياسية، لا تستطيع وحدها إنتاج استقرار دائم إذا غابت الإرادة الإقليمية لإدارة الخلافات، وفق قواعد واضحة تحترم مصالح جميع الأطراف.
ومن هنا، تبدو المبادرة السعودية أقرب إلى إطلاق رؤية خليجية جماعية، منها إلى تحرك سياسي منفرد. فالمملكة، بحكم مكانتها، السياسية والاقتصادية، وثقلها الإقليمي، تمتلك القدرة على جمع المواقف الخليجية وصياغة مقاربة موحدة تجاه إيران، تستند إلى مصالح مجلس التعاون الخليجي باعتباره الإطار المؤسسي الطبيعي لأيّ تفاهمات مستقبلية، تحفظ أمن المنطقة واستقرارها.
ولا يعني هذا الطرح التقليل من حجم التباينات القائمة بين إيران وعدد من دول الخليج، سواء في ما يتعلق بالملفات الأمنية، أو التدخلات الإقليمية، أو البرامج الصاروخية، أو قضايا السيادة.
غير أن الواقعية السياسية تفرض التمييز بين استمرار الخلاف وغياب الحوار. فالعلاقات الدولية لا تُدار على أساس الاتفاق الكامل، وإنما على أساس إدارة المصالح المتعارضة، ومنعها من الانزلاق إلى صراعات تهدّد الجميع.
ولذلك، فإن نجاح أيّ مسار للمصالحة يتطلب أن يقوم على أسس واضحة وثابتة، في مقدمتها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والالتزام بالقانون الدولي، ورفض استخدام القوة، أو التهديد بها، وسيلة لتسوية الخلافات. كما يتطلب إنشاء آليات مؤسسية دائمة للحوار السياسي والأمني، بما يقلل من احتمالات سوء التقدير، ويحول دون تحول الأزمات التكتيكية إلى مواجهات استراتيجية.
كما تعكس المبادرة السعودية تحولاً في مفهوم القيادة الإقليمية ذاته. فلم يعُد الدور القيادي يقاس بحجم القدرات العسكرية، أو القدرة على بناء التحالفات فقط، بل أصبح يقاس أيضاً بالقدرة على إنتاج بيئة استراتيجية مستقرة تسمح للدول بالتركيز على أولويات التنمية الاقتصادية، وتنويع مصادر الدخل، وجذب الاستثمارات، وتعزيز التكامل الإقليمي. فالتنمية المستدامة لا تزدهر في بيئة يسودها التصعيد المستمر، أو حالة عدم اليقين.
وفي الوقت ذاته، يشهد النظام الإقليمي مرحلة إعادة تشكل في توازناته، حيث تستمر الولايات المتحدة شريكاً أمنياً رئيسياً لدول الخليج، بينما تتوسع العلاقات الاقتصادية مع الصين، وتحافظ قوى دولية أخرى على حضورها، السياسي والعسكري. وفي ظل هذا المشهد متعدّد الأقطاب، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً لبناء إطار أمني إقليمي قادر على إدارة هذه التفاعلات، بدلاً من ترك مستقبل المنطقة رهينة للتنافس بين القوى الكبرى.
إن مبادرة الرياض لا تستهدف إعادة رسم الاصطفافات الإقليمية، ولا استبدال التحالفات القائمة، وإنما تسعى إلى ترسيخ معادلة أكثر توازناً، قوامها الجمع بين الردع المسؤول، والحوار المؤسسي، واحترام السيادة، والتعاون في المصالح المشتركة.
ختاماً، إن أمن الخليج في المرحلة المقبلة لن يصنعه التفوق العسكري وحده، كما لن تضمنه التحالفات الخارجية وحدها، بل سيقوم بالدرجة الأولى على توافق خليجي، واقعي وواضح، حول رؤية استراتيجية مشتركة تعتبر أن استقرار الإقليم مسؤولية جماعية غير قابلة للتجزئة.
ومن هذا المنطلق، فإن أيّ مصالحة مع إيران ينبغي ألا تُفهم باعتبارها تنازلاً سياسياً، بل باعتبارها أداة لبناء نظام إقليمي أكثر استقراراً، يحفظ سيادة الدول، ويصون مصالحها، ويضمن أن تكون ثمار الأمن والاستقرار مكسباً مشتركاً لجميع شعوب المنطقة، لا امتيازاً لطرف دون آخر، أو تهميش.
