الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

التسلّط بين التقليد والتحديث

28 سبتمبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 28 سبتمبر 00:03 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
شاع خطأٌ كبير، في الفكر السّياسيّ الحديث، مفادُه أنّ النّظام السّياسيّ يتقدّم في مبْناهُ وقواعدِه ومؤسّساته ومضمونه كلّما تَحَرَّر من قيود التّقليد الموروثة، المنحدرةِ من الماضي المضروبةِ حوله، ومن عوائقها الكابحة له، وكلّما سَرَى في أوصاله دبيب التّحديث والحداثة. هكذا يُمَاهَى في هذه النّظرة، بجرّة قلم، بين الاستبداد والطّغيان من جهة والتّقليد من جهةٍ ثانيّة فيُحْسَبان ظاهرتين متلازمتين تدُلُّ الواحدة منهما على الثّانيّة.
في المقابل، تقع مطابَقةٌ متسرّعة بين الدّيمقراطيّة ودولة القانون، من جهة، والحداثةِ السّياسيّة من جهةٍ ثانيّة فتصير الواحدةُ منهما قرينةً على الأخرى ودليلاً. هذا، كما قلنا، خَطَأ في التّشخيص والاستنتاج وضرْبٌ من التّفكير المجرّد يبني مبانيَه في الذّهن من غير أن يقوم في الواقع الموضوعيّ ما يشهد لها بالصّحّةِ والمطابَقة.
بيانُ ذلك أنّ التّلازم بين الظّواهر المُشار إليها إذا صَحَّ في حالاتٍ بعينها (بلدانٌ مّا) لا يَصحّ في أخرى الأمر الذي يمتنع معه، بالتّبِعة، كلّ تعميمٍ من جنس هذا التّعميم الذي يزعُم تلازُماً افتراضيّاً بين وضْعٍ مّا ونظامٍ سياسيّ ما، هذا - طبعاً - غير احتساب فادح العواقب التي تفضي إليها هذه النّظرة حين يُرْكَن إليها في الواقع فتُبْنَى على مقتضاها سياسات!
نعم، لا يماري أحدٌ في أنّ التّقليد إذْ يهيمن في الاجتماع وينشُر سلطانه في ظواهره وعلاقاته، لا يفتح باباً - على الأغلب - نحو تحديث المجال السّياسيّ وتنمية قواعده وعلاقاته ومؤسّساته على مقتضى الحداثة السّياسيّة: العقلنة، القَوْنَنَة، الرّوح المؤسّسيّة، المشاركة في صنع المصير... إلخ.
مع ذلك، مَن قال إنّ التّحديث في السّياسة ونظام الحكم ممتنعٌ من داخل سياقِ التّقليد المدفوع إلى التّكيُّف مع موجبات التّغيُّر والتّطوّر والحداثة، وأنّه مفتوحٌ وممكنٌ فقط - وفقط - من طريق الثّورة عليه والقطيعة العنيفة معه؟ إذا صحّ القولُ بهذا في حالاتٍ بعينها من أنظمة الحكم الحديثة ساقها التّغييرُ العنيفُ إلى الكينونة والقيام، فهو لا يصحّ في حالاتٍ أخرى نشأ فيها الحديثُ من جوف القديم بعد أن خضع هذا الأخير للتّكيُّف.
إذا كانت بلدانٌ في أوروبا، مثل فرنسا وروسيا، قد شهِدت عى ميلاد نظامٍ سياسيّ حديثٍ فيها من طريق الثّورة الاجتماعيّة والقطيعة مع التّقليد - ومنه تقويض النّظام الملكيّ والاعتياضُ عنه بالنّظام الجمهوريّ - فليس لأنّ خيار الحداثة السّياسيّة لا يمتكن أمرُه إلاّ من هذه الطّريق حصْراً، بل لأنّ النّظام التّقليديّ السّائدَ فيها قبل الثّورة ما كان يملك القابليّةَ للتّأقلم مع موجبات قوانين التّطوُّر.
في المقابل، خرج التّحديثُ السّياسيّ من جُبّة التّقليد في بلدان أخرى عديدة (لئلاّ نقول في معظم البلدان التي قام فيها نظام الدّولة الحديثة)، فكان سبيلُه مفتوحاً من غير كوابح، بل كانت القوى التي ظلّت طويلاً ترمز إلى التّقليد (المَلَكيّات الأوروبيّة) هي نفسُها التي اضطلعت بمهمة قيادة عمليّة التّحوُّل في السّياسة والسّلطة من التّقليد إلى الحداثة. واليوم، ما عاد أحدٌ - حتّى من الجمهوريّين أنفسهم - يجادل في حقيقةٍ ماثلةٍ أمام العيان، هي أنّ الملكيّات الحديثة ظلّت أكثر استقراراً من الجمهوريّات في أوروبا وأَقْدَر منها على امتصاص الأزمات السّياسيّة والاجتماعيّة الدّاخليّة التي تَعْرض لها.
غير أنّ التّلازم بين عصر الحداثة والنّظام السّياسيّ الحديث لم يكن ناموساً عصيّاً على التّغيير، ولا هو أنهى عهد التّسلّط والشّطط في تجارب السّياسة وأنظمة الحكم إنهاءً كاملاً مثلما يُظنّ، الشّاهد على ذلك أنّ عصر الحداثة هذا - الممتدَّ منذ قرون - شهِد على ميلاد أنظمةٍ للسّلطة والحكم لم يشهد لها التّاريخُ الماضي مثيلاً في القسوة والرّهبة والبطش، ولا هي من سلالة التّقليد وبضاعتِه بل لم يعرف لها التّقليد نظيراً في أنظمته السّياسيّة التي أنجبها.
إنّ أنظمةً سياسيّة قمعيّةً ودمويّةً رهيبة مثل النّظام النّازيّ، والنّظام الفاشي، والنّظام الصِّهيونيّ، والأنظمة الدّيكتاتوريّة العسكريّة والمدنيّة وسوى ذلك من الأنظمة التّسلّطيّة الكُلاّنيّة (التّوتاليتاريّة) ومن الشّعبويّات «الدّينيّة» والحزبيّة الجديدة... لَهِي من منتوجات الحداثة لا من ثمرات التّقليد، وهي تذهب بالتّسلّط - كمضمونٍ سياسيّ للسّلطة - إلى ذرًى لا سابق لها في التّاريخ...

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة