تفاقمت معاناة الإيرانيين مع استمرار المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت يواصل فيه النظام الإيراني تشديد قبضته الأمنية في الداخل، ما جعل ملايين المواطنين يعيشون بين تهديد الحرب الخارجية وتصاعد القمع الداخلي، وفق تقرير يرصد شهادات من مدن إيرانية عدة، بينما لا تزال أزمة انقطاع الكهرباء المتكرر تضرب مختلف أنحاء إيران، في وقت قال محللون لحركة الشحن إن الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية أدى إلى شل نشاط تصدير النفط في جزيرة خرج.
في مدينة بندر عباس المطلة على مضيق هرمز، يصف سكان المدينة آثار أسابيع من القصف الأمريكي الذي طال المنطقة، مؤكدين أن الضربات الجوية ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد المحلي، وأدت إلى تراجع النشاط السياحي وارتفاع معدلات البطالة، فضلاً عن تضرر محطات تحلية المياه وانقطاع مصادر الشرب في بعض المناطق، بحسب «لوفيغارو».
ويقول السكان إن وقف الغارات مؤقتاً لم يبدد مخاوفهم، إذ ما زالوا يتوقعون عودة القتال في أي لحظة، بينما أدى التضخم الحاد إلى تآكل القدرة الشرائية، حتى أصبحت الإعانات الحكومية غير كافية لتلبية الاحتياجات الأساسية.
يشير التقرير إلى أن استئناف الأعمال العسكرية خلال يوليو زاد من تعقيد المشهد، مع استمرار الضربات الأمريكية ضد أهداف داخل إيران، بالتوازي مع تصعيد طهران وحلفائها الإقليميين للهجمات في المنطقة، ما وسع دائرة الصراع إلى خارج الأراضي الإيرانية.
ويؤكد مواطنون إيرانيون أن حياتهم اليومية أصبحت رهينة قرارات سياسية وعسكرية لا يملكون التأثير فيها، في ظل مخاوف مستمرة من استهداف البنية التحتية، خاصة شبكات الكهرباء والمنشآت الحيوية، الأمر الذي يضاعف حالة القلق وعدم اليقين.
يرصد التقرير تدهور الأوضاع الاقتصادية مع ارتفاع الأسعار بصورة متسارعة نتيجة تضرر قطاعي النفط والبتروكيماويات، فيما تجاوز معدل التضخم الرسمي 57.7% خلال يونيو، بحسب المركز الإيراني للإحصاء، الأمر الذي انعكس على تكاليف المعيشة والإيجارات والخدمات الصحية.
كما أظهر استطلاع أجراه مركز «غمان» للأبحاث، وجود انقسام داخل المجتمع الإيراني بشأن التدخل الخارجي، إذ أيد 38% من المشاركين التدخل الأجنبي، بينما عارضه 27%، في حين لم يحسم نحو ربع المستطلعين موقفهم، ما يعكس حالة الاستقطاب واليأس التي يعيشها الشارع الإيراني.
بالتزامن مع الحرب، يكثف النظام الإيراني حملات الاعتقال وإغلاق المؤسسات الثقافية وملاحقة النشطاء، وسط تصاعد عمليات الإعدام بتهم تتعلق بالأمن القومي والتجسس.
ويشير التقرير إلى تنفيذ إعدامات بحق متظاهرين، في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة من تزايد استخدام عقوبة الإعدام لبث الخوف داخل المجتمع.
ورغم تشديد الإجراءات الأمنية، يواصل المجتمع المدني الإيراني احتجاجاته بوسائل مختلفة، من بينها الإضرابات عن الطعام داخل السجون، والاحتجاجات المطلبية للمتقاعدين، إضافة إلى إحياء ذكرى ضحايا الاحتجاجات الشعبية عبر تجمعات ومراسم تأبين تنظمها عائلات القتلى، في تحدٍّ للقيود التي تفرضها السلطات.
من جهة أخرى، لا تزال أزمة انقطاع الكهرباء المتكررة تضرب مختلف أنحاء إيران.
ولا تبدو الأزمة مجرد نقص مؤقت في إمدادات الكهرباء، بل تعكس اختلالات أعمق في البنية التحتية للطاقة والمياه، وتفرض كلفة متزايدة على الأسر والأنشطة الاقتصادية.
وأثارت فواتير الكهرباء الصادرة في شهر يوليو/تموز استياءً إضافياً، بعدما ارتفعت في بعض الحالات من نحو دولارين إلى نحو 7 دولارات، حتى في منازل يقول سكانها إن استخدامها يقتصر على ساعات الليل. ويربط المسؤولون هذه الزيادة بتجاوز شرائح الاستهلاك وتطبيق التعرفة التصاعدية.
وفي يونيو/حزيران الماضي، توقع مركز البحوث التابع للبرلمان الإيراني عجزاً قياسياً في إمدادات الكهرباء خلال الصيف، بنحو 13600 ميغاوات. فيما دعت الحكومة المواطنين إلى خفض استهلاكهم بنسبة 10%، في محاولة لتخفيف الضغط على الشبكة، في وقت تتزايد فيه الانتقادات بشأن قدرة السلطات على معالجة أسباب الأزمة بدلاً من الاكتفاء بإدارة آثارها، بحسب التقرير.
ومع تضرر أكثر من ألفي نقطة في الشبكة الوطنية وانخفاض قدرة التوليد بنحو 4200 ميغاوات جراء النزاعات والأضرار الهيكلية، تبدو عوامل الجفاف والتغير المناخي بمثابة عوامل مضاعفة لأزمة بنيوية تراكمت نتيجة نقص الاستثمار والصيانة على مدى سنوات.
إلى جانب ذلك، قال محللون لحركة الشحن إن الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية أدى إلى شل نشاط تصدير النفط في جزيرة خرج، المحطة الرئيسية التي تتعامل مع نحو 90% من صادرات إيران من النفط الخام.
وذكر محللو الشحن في شركة «ويندوارد» أن محطات تصدير وتحميل النفط الثلاث في جزيرة خرج، ظلت خالية لفترات طويلة، وفقاً لما نقلته شبكة «سي إن إن».
وقالت «ويندوارد»، في تقرير صدر، أمس الاثنين، إن المحطة الغربية في خرج لم تشهد أي عمليات تحميل لمدة 22 يوماً متتالياً، بينما لم تشهد محطة الغاز البترولي المسال أي عمليات تحميل لمدة 13 يوماً، والمحطة الشرقية لمدة 10 أيام.
ولم تغادر أي ناقلة من جزيرة خرج منذ 31 يوليو، وهناك 17 ناقلة راسية في منطقة الانتظار القريبة، ولا تبث أي منها بيانات لموقعها، بحسب «ويندوارد».(وكالات)
تظاهرات واحتجاجات سابقة في إيران (أرشيفية)
تظاهرات واحتجاجات سابقة في إيران (أرشيفية)