أعتقد، عن حق واقتناع، أن الماضي إن تركوه لنا حراً ومتاحاً بلا تمييز، ومن دون آليات اختيار، أو انتقاء في الزمن وفي الموضوع، لضاع منا الحاضر أو لضعنا نحن فيه. أحياناً أشغل نفسي بالاستغراق في تصوّر حال إنسان غيري متقدم جداً في العمر. أتصوره وقد انفتح أمامه الماضي كله في آن، وفي النهاية يستخلص عبراً. أغلب هذه العِبر لا يفيد، ولا يعني شيئاً في حسابات حياته الحاضرة، أو في حسابات الفترة المتبقية له في الحياة.
مع ذلك، فإن الإنسان الذي يعنيني وقد بلغ من العمر ما بلغ، وهو كثير، لن يتوقف عن نبش الماضي، وإن هدأت بالفعل، أذكر بالتفصيل ما حدث مساء الأمس. رنّ هاتف استجابت له ابنتي الأصغر، وهي كانت تزورني كل مساء. رأيت على وجهها، وهي تنصت إلى المتحدث، علامات ابتهاج بالغ. انتهت من المكالمة لتبلغني أن الجهود نجحت، وأصبح لشقيقها الذي يكبرها بخمسة عشر عاماً شهادة ميلاد مصرية موثقة. نسمة هفت، وعاصفة هبت.
عشت بالذاكرة لساعات في أجواء وصولنا إلى مطار بكين قبل نحو سبعة وستين عاماً. وصلنا بعد رحلة بدأت في مطار كانتون دامت ساعات عدّة، قضينا أقلّها في طائرة بمحركين، وأكثرها في مطارات محلية نتزود بالوقود، والتفاح لزوم إطعامنا. وصلنا منهكين، والانهاك بادٍ على زوجتي، ليبلغنا طبيب الفندق أنها حامل، لنبدأ على الفور رحلة أشهر حمل شاقة، ألزمتنا قلّة الحركة.
قضيت ليلة الأمس، أنبش في أحداث تلك الأيام. تذكرت، بالنبش طبعاً، فرحتي، فرحة شاب بسيط بخبر حمل زوجته.
وبالنبش أيضاً في الماضي المحيط بظروف سبقت مولد إبني، أو جاءت بعده، اجتمعت الأدلة على أننا، زوجتي وأنا، عوملنا في الصين كعائلة معاملة متميزة، بالمقارنة بزملاء المهنة في مختلف السفارات المعتمدة في الصين. والأدلة هي كالآتي: (أ) خصصت الحكومة الصينية لنا شقة في العمارات الدبلوماسية تتسع لعائلة أكبر، وحصلنا على أولوية فـي التخصيص. (ب) فور دخولنا الشقة، لأول مرة، فوجئنا بمندوب أكبر محل لبيع الأثاث يزورنا ليبلغنا أنه كُلف من وزارة الخارجية بتسهيل عملية تأثيث الشقة بأسعار مناسبة، وبالتجاوز عن قائمة الانتظار، وهي قائمة مطولة باعتبار أن الأثاث وقتها يجري استيراده من الاتحاد السوفييــتــي. (ج) زارنــــا فــــي المنزل رجل صينــي متقدم فـي العمر وحليق الرأس، قدم نفسه بأنه طباخ كلفته وزارة الخارجية بالعمل لدينا، ومراعاة أن سيدة البيت حامل، وفي حاجة إلى رعاية خاصة. عاشت زوجتي بقية عمرها تنسب فضل شهرتها في الطبخ إلى المستر «كان»، وعشت أنسب إليه الفضل في الاطّلاع على جانب مهم من حياة الإقطاعيين الكبار في الصين قبل الثورة، ونمط حياتهم وعلاقاتهم بالقصر الإمبراطوري. (د) حضرت سيدة صينية كلفتها وزارة الخارجية بالعمل في بيتنا، مرافقة لربة البيت لحين الولادة، ولتتولى بعدها تربية الطفل. (هـ) سيدة أخرى ألحقت بالعمل لدينا متخصصة في شؤون النظافة.
وقتها، سألت ذوي الخبرة الأقدم في العمل بالصين، أجمعوا على أن التقاليد والأعراف الصينية تقرر أن من يولد في الصين يستحق التكريم، جنيناً كان قبل الولادة، أو رضيعاً، أو وقد صار شاباً، أو كهلاً.
أعترف بأن اليوم كان حافلاً بأعمال النبش في ماضٍ دفعتني إليها المكالمة إلى ابنتي التي نقلت إليها خبر إصدار شهادة ميلاد مصرية للنجل العزيز المولود في بكين، شهادة تغني عن الشهادة الصادرة عن السفارة المصرية في بكين، وهي الشهادة التي احترقت مع كل مستنداتنا الورقية في حادث احتراق الطائرة الهندية التي كانت تقلنا، في نهاية رحلتي الأولى في الصين، منقولين إلى روما.
في يومنا هذا، طال حتى نهاية النهار ومطلع الليل. أطفأنا الأنوار، واستعدت ابنتي للعودة إلى بيتها، وجمعت حزمة أوراقي وعدّتي الإلكترونية، وأويت معهما إلى غرفة مكتبي. دقائق، وبعدها سمعت الرئيس الأمريكي الحالي يتهم دولة الصين، وقد صارت عظمى في نظره، ومهابة في نبرة صوته، بتدبير اختراقات تمهد لتزوير الانتخابات التشريعية القادمة في الولايات المتحدة، ويهدّدها، أفلحت أو فشلت، بعظائم العقوبات.
فوراً، عدت مرة أخرى أنبش في الماضي، ماضٍ عشت بعضه، وقرأت عن أكثره، ماضٍ معبأ بأبشع الصور القديمة، ثم شريكاً مع الحاضر في تسجيل صور لمرحلة عشتها في بكين، مرحلة شهدت إطلاق الصين زمن المهابة.
