أذكر في مثل هذه الأيام، قبل أكثر من سبعين سنة، كنت أجلس في المكتبة التابعة لقسم الاستعلامات بالسفارة الأمريكية في حي غاردن سيتي، وأمامي كتبي وكراساتي أذاكر لامتحان نهاية العام الدراسي. انتبهت وأنا منهمك إلى يد على كتفي، رفعت رأسي لأرى قريباً لي يعمل في المكتبة أميناً لمكتبتَي الأطفال والموسيقى، يدعوني لشرب الشاي، والاستمتاع ببعض الراحة في مكتبه بالطابق الثاني. تحادثنا في أمور العائلة، وأموري الخاصة بدراستي، وما أخططه لما بعدها، وقد صار قريباً. انضم إلينا موظفون آخرون وموظفات، كل لدقيقة، أو أقل. كل يحييني تحية من يعرفني من قبل بسبب كثرة تردّدي على المكتبة، وقد صار وجهي مألوفاً، وطباعي كقارئ منتظم معروفة.
كانت مصر تغلي بالآثار التي خلّفتها الحملة التي شنتها حكومة الثورة ضد الخطط الأمريكية الهادفة، تحت مسمى حلف بغداد، إلى قمع تيار «القومية العربية» الزاحف وقتها بحماسة لم تشهد الكيانات السياسية العربية، بخاصة التي لم تكن حصلت بعد على استقلالها، مثيلاً لها من قبل.
أذكرني، وأنا العضو النشيط في فريق الجوالة، العضوية التي أتاحت لي زيارة أعالي السودان، ومرتفعات وسهول «المملكة» الليبية، امتداداً من الجبل الأخضر في ولاية برقة وانتهاء بالحدود مع تونس قرب طرابلس الغرب، إحدى أجمل المدن العربية المطلة على البحر المتوسط، أتاحت لي أيضاً زيارة مخيمات اللاجئين في قطاع غزة، وحققت أمنية مراهق سياسي أن يشاهد على الطبيعة نمط حياة العدو الإسرائيلي على أرض غيره.
شجعني والد محب، يريدني أن أرى وأتعلم، وبالتأكيد لا يريدني أن أتعب، أو أمرض، أو أودع في زنزانة بسجن إسرائيلي، فأحظى وأنا دون الثامنة عشرة، بتغطية الصفحات الأولى لصحف القاهرة، وتوافد مراسلي الصحف على بيتنا في حي الدواوين، تستقبلهم أم بدموع منهمرة لثلاثة أيام طول فترة الاعتقال، والعودة برفقة البوليس الحربي من غزة، وحتى تسليمي لها على «بسطة» شقتنا على الطابق الثالث، حيث «باتت» في انتظاري لتحميني من الصحفيين، وغيرهم من الفضوليين أبناء الحي.
مر عام، أو عام وشهور معدودة، ليعلن جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس، هذا المرفق الحيوي المهم. نعرف الآن أن إسرائيل حثت كلاً من بريطانيا العظمى وفرنسا على شن حرب ضد مصر، من دون أن تحيط الولايات المتحدة علماً، أو تحصل منها على إذن مسبق. أظن أنها عادة إسرائيلية، وكفاءة منقطعة النظير، عادة إشعال الحروب بين دول كبيرة تتقاتل، أو تقاتل، بينما تنتهز إسرائيل الفرصة لتبيد شعوباً، أو تسرق ثروات، أو تتوسع في أراضي الغير، أو تحصل على ميزة، أو فائدة ما.
هناك في حرب السويس، حرب أسهمت إسرائيل في إشعال فتيلها، خرجت بريطانيا دولة «منزوعة» العظمة، دولة عظمى فقدت في هذه الحرب عظمتها. لم يدرك قادة دول العدوان الثلاثي أن أمريكا، بفضل حربهم، سوف تحصل على اعتراف عالمي بأنها صارت دولة عظمى. وتشهد السنوات اللاحقة كيف راحت دول العدوان ودول المنطقة والعالم بأسره، تجرب سياسات شتى لتتأقلم مع واقع جديد في النظام الدولي.
رحت أتأمل طويلاً في واقعنا الراهن. ففي نظرنا، كما في نظر دول عدّة، أمريكا لم تعد القوة الوحيدة صاحبة الحق في أن تمارس الهيمنة على ما عداها من دول وشعوب. أمريكا في وضعها الراهن لا تملك من القوى الناعمة والناتج الاقتصادي ما يسمح لها بأن تهيمن منفردة، وإن كانت مستمرة في ممارسة هذا الحق، تلصصاً أو خلسة، أو خروجاً عن القواعد الجديدة المصاحبة لمرحلة الانتقال الراهن في خريطة توزيع القوة. لاحظت، كما لاحظ كثيرون، أن إسرائيل، مثل دول أخرى في الشرق الأوسط، لا تزال مصرة، بالعجز أو بنقص اليقين أو بالثقة العمياء، على أن تتعامل، إقليمياً ودولياً، على اعتبار أن الولايات المتحدة لا تزال دولة عظمى، ومهيمنة، ولو في هذا الإقليم فقط.
أعتقد أن في هذه الملاحظة الكثير من المبالغة. لأنه إذا كانت هناك دول في هذا العالم يجيد خبراؤها قراءة خريطة توزيع القوى، فإسرائيل سوف تأتي في مقدمة هذه الدول. إسرائيل مدينة بنشأتها وغزواتها ونفوذها الدولي لدورّين أجادت صنعهما وممارستهما، على مدى السنين. قليلون من بين منظّري وممارسي التعليق على أدوار لعبتها إسرائيل، في القرنين الأخيرين، هم الذين ينكرون هذه الحقيقة. اليهود من ذوى الميول الصهيونية لا يزالون الأقدر، بين مختلف التيارات الأيديولوجية، على دفع الدول، العظمي بخاصة، إلى شن حرب، أو أخرى، فلإسرائيل من وراء هذه الحروب غرض ومبتغى.
إسرائيل تعلم أن أمريكا دولة عظمى، ولكن منحدرة، والانحدار، كما تعلّمنا من تجارب التاريخ، بخاصة حرب السويس، سبب كافٍ لشن حرب لا يرجى من ورائها خير للدولة العظمى المنحدرة، وسبب آخر كافٍ أيضاً لانسحابها فجأة وفي أي وقت من هذه الحرب.
أذكرني مرتدياً «الشورت» وقد انتهينا من ذبح خروف العيد. قام بالذبح وسلخ الفروة جزار، أو بالأحرى صبي جزار، وأظن أنه حصل على الفروة أجراً على ما فعل بالخروف وعلى الوقت الذي قضاه بعد ذلك لمساعدة «سيدة» وأمها في جهود إزالة آثار ما فعل وإعادة «السطوح» إلى ما كانت عليه قبل الذبح نظيفة وأنيقة كما عهدناها دائماً ملعباً للصغار من سكان العمارة.
كنا، في عصر ذلك اليوم، «ملهوفين» على أداء ما تبقى لنا لنفعل من طقوس هذا اليوم المجيد. تجسدت لهفتنا في صرخات فرح وانبهار بوصول صبي الفران يحمل ألواحاً من الخوص تحمل بدورها عشرات الأرغفة الملتهبة سخونة. تتسلمها أمي مقابل عيدية مناسبة لحاملها الذي راح يهمس في أذن «سيدة» برسالة فحواها أنه سيكون بانتظارها مع أمها ليحصل على نصيب عندما تبدآن في توزيع الأرغفة على المتسولين والدراويش المقيمين بصفة دائمة حول مسجد السيدة زينب.
استدارت أمي ناحيتي لتطلب مني الدخول إلى المطبخ لأطلب من «سيدة» وضع أحد الأرغفة المحشوة بالأرز واللحم المسلوق في «ورقة جورنال» لأنزل وأعطيه إلى عامل الغاز مع تمنيات أمي بعيد مبارك يعود عليه وعلى أهله بالخير والصحة الطيبة. فهمت وقتها أن العيد فرصة لتلقين ابن العاشرة بعض طقوس ولغة التخاطب مع الغرباء في المواسم الدينية كهذا العيد، عيد الأضحى. مر على هذه اللحظة أكثر من ربع قرن ليطل علينا العيد الكبير لأول مرة في القاهرة وقد صرت زوجاً ووالداً لطفلين. أبدت زوجتي دهشة مختلطة بالرفض عندما طلبت منها إعداد شواية الفحم من أجل إفطار أول أيام العيد. استنكرت عادة تناول إفطار اللحوم المشوية وأصرت على أنها لا تريد تلقين أطفالها طقوساً مضرة بصحتهم. ذكرتها بأيامنا في بيونس آيرس عندما كانت رائحة الشواء تفوح في شوارع الحي الفاخر صباح كثير من الأيام، وهي الأيام التي يوجد فيها عمال من الريف الأرجنتيني في الحي للعمل في مشاريع البناء ورصف الطرق. هؤلاء كانوا يتناولون اللحم المشوي على امتداد وجباتهم الغذائية وأهمها الإفطار.
من رحلات الذاكرة قبل ثمانين وسبعين سنة، من رحلة الشواء والعيد والأم الزاهدة في متع الدنيا الزائلة إلى عالم يهيمن على أهم مقدراته قطب عظيم ينحدر، وإلى أحداث زمن تكشف حجم مأساته صور لرئيس هذا القطب المنحدر قوة مع رئيس قطب صاعد بتؤدة ولكن بحزم، صور ناطقة تنقل عن الرئيسين حديثاً متبادلاً في زمن ملتهب بالتوتر والقلق والخشية من أن يلجأ أضعف الرئيسين عقلاً وخبرة إلى حرب نووية لا ترحم ولا تستثني.
أرى من كوة في الذاكرة رئيساً هو الضيف لا يحمل هم الدمار والخراب ويتحدث طوال لقاء القمة عن إعجابه بتماثيل القصر الإمبراطوري في بكين وبالزهريات البديعة في رسمها والصادقة في قدمها وحقيقتها وعن دهانات الجدران وعن الإبداع في اختيار ألوانها وحسن اختلاطها، ورئيس آخر هو المضيف يتأمل متفاخراً ومتباهياً بأسبقية بلاده في احتلال مكان مرموق في التاريخ ويتأمل ساخراً في أحوال الضيف الذي يستحق عن جدارة في حكم السياسة والقانون والتاريخ صفة «البطة العرجاء».
قضيت ليلة العيد أفكر في حال عالم يعيش أياماً يسود فيها ارتباك من يتوقع مستقبلاً مختلفاً كل الاختلاف عن حاضره. لا تدرّج ولا قدرة واعية وقادرة على التدبر وأدوات وآليات مبتكرة هي من صنع عقل من لا عقل له. فكرت في زمن سوف يعيش فيه أولادي وأحفادهم، هؤلاء بذلت الكثير من الطاقة ومن سنوات الجهد ومن العلم من أجل تدريبهم على حسن استخدام ذكائهم لأكتشف في تلك الليلة، ليلة العيد، أن في المستقبل سيأتي من يستبدل ذكاء أولادي وأحفادي بذكاء اصطناعي من صنع أجهزة وعقول إلكترونية. يزعمون أنهم سوف يفلحون في حقن أدوات وآليات هذا الذكاء الاصطناعي بإكسير الحب، وهو أيضاً مصطنع خصيصاً لأبناء وبنات جيل المستقبل.
اكتشفت أيضاً في تلك الليلة، أو قل توصلت إلى أن إسرائيل تستعد لأن تحل محل إيران وأمريكا فتنشئ وتدرب وتطلق ميليشيا لكل بلد في الشرق الأوسط. وبواسطة هذه الميليشيات تضمن عدم استقرار سياسي متواصل في كل دول المنطقة، تماماً، أو تقريباً، مثلما فعلت القاعدة أو داعش في العراق وسوريا ومثلما حدث في ليبيا ويحدث في السودان. تضمن إسرائيل على هذا النحو ألا تقوم دولة في المنطقة تعيق ما تنوي عمله، فعل لا يختلف كثيراً عما فعلته في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، سلاسل من حلقات الدمار والخراب. الوضع الذي صار يطلق عليه في صحف غربية تعبير «عمليات تحديث الهمجية»، وبسببه صارت إسرائيل في نظر علماء يهود منهم جيفري ساكس وجون ميرشهايمر، أمّة من القتلة.
أي ليلة عيد كئيبة هذه الليلة؟! وما أحلى ليلة عيد عشتها مع الذاكرة!
كل ما يتعلق بالصين يستهويني، حتى أيام الحرمان والفقر، وذكرياتي مع العصافير والذباب، وأمسياتي مع زوجة على وشك الإنجاب في شقة بمبنى سكن الأجانب، أثاثها سرير في غرفة النوم، وكرسيان من الخشب الخالص والمحفور في صالة استقبال وانتظار.
ما أحلى أن تقف وراء نافذة تطلّ على ساحة وزارة حكومية خرج بعض موظفيها إلى ساحة فضاء شاسعة ليصطفوا، متباعداً الفرد عن الآخر، ولمدة نصف ساعة، والثلج الأبيض يتساقط في دِعة وبهاء، يباشرون ما يشبه التمرينات الرياضية، ولكنها ليست كذلك. سألت وعرفت، تمارين روحانية ونفسية ترقي إلى مستوى الأيديولوجيا.
كانت بكين أول مدينة صينية أراها، أو أهبط فيها، باستثناء إطلالة من شبّاك فندق على مدينة كانتون في أقصى جنوب الصين، وإقامة لأيام في هونغ كونغ المدينة الهجين قبل أن يتولى الحزب الشيوعي الصيني أمر إعادتها صينية «نقية».
عشت في بكين وقرأت عنها، ومررت بشنغهاي وقرأت عنها. عشت في بكين عندما كانت لافتة «ممنوع دخول الصينيين والكلاب» لا تزال تستقبلنا عند مداخل المساحة الشاسعة التي كانت تحتلها مباني ومدارس ونوادي الطبقة الإنجليزية ذات النفوذ الشاسع، في الصين في عهد انحدار الإمبراطورية الصينية. قرأت عن شنغهاي، الميناء الذي تحكمت فيه جميع الدول الاستعمارية، بما فيها اليابان وأمريكا وروسيا القيصرية. قرأت كيف كانوا يجمعون، سنوياً، الآلاف من جثث الأطفال الرضّع الملقاة في خزانات النفايات، ويبيعون الزوجات وبناتهن.
مرة أخرى يتدخل الاستعمار في دولة آسيوية، فيعطل مسيرة تقدمها. التاريخ الاستعماري يسجل لنا أن أمتين، هما الهندية والصينية، كان مجمل الناتج القومي لكل منهما قبل وصول الاستعمار الغربي والياباني أعلى من ناتج أيّ دولة غربية كبرى، تحطمت إمكاناتهما، بخاصة البشرية، وتعطل نهوضهما قروناً. كلتاهما على كل حال مستفزة الآن، ولدرجة قصوى للنهوض بسرعة وكفاءة لتعويض ما فقد. أشهد مع كثيرين، أننا نعيش مرحلة قد تستحق تسميتها بالقرن الآسيــوي في التاريــخ السياسـي المعاصــر، باعتباره القرن الذي يشهد سلسلة من محاولات النهوض، وتعويض ما فات وفُقد على أيدي دول غربية، يشهد أيضاً، كما هو الحال في إفريقيا والشرق الأوسط، محاولات قمعها بإثارة نعرات، قومية وطائفية، وبالوقيعة بين دول الإقليم، وتهديد سلامة النظم الحاكمة وقياداتها، حتى الاغتيالات واختطاف المسؤولين أعيدت ممارستها.
اعتمدوا في الصين على مصادر وينابيع الماركسية اللينينية، مزودة بخلاصة الفكر الفلسفي الصيني، أقصد تحديداً تدوير لحظات التوقف في مسيرة تطور الأشياء والحركات الثورية، بحيث لا تجد القوى المعادية للثورة فرصة للهجوم عليها، أو تعطيل تطورها وديمومتها.
وقعت آخر هذه التطورات بينما كانت الولايات المتحدة، الدولة الأقوى في العالم المعاصر، تستعد لمرحلة انحدار أثرت في كثير من معالم الزعامة والهيمنة، وفي كل ما حولها. كثيرة كانت علامات الانحدار، وأسبابه منها ما يلي:
- الدخل الفردي الحقيقي للمواطن يتراجع.
- انتشر الفساد وتعدّدت أساليبه خصوصاً في ظل إدارة الرئيس ترامب الراهنة.
- تابعنا وبالقلق الشديد السلوك الشخصي للرئيس، بخاصة سرعة انفعاله، وتناقض تصريحاته، وميله إلى إطلاق تهديدات عنيفة غير مدرك، أو مدرك، أن القدر من القلق والتوتر الذي تتعرض له دوائر العدو يصيب أحياناً، دوائر الرأي العام الأمريكية المتعاملة معه، وكذلك حلفاءه.
- فقد متسارع لكثير من عناصر القوة الناعمة الأمريكية.
- اندفاع الرئيس وراء إسرائيل والقوى المالية الصهيونية، والتي يتردّد أنها دفعته، على الرغم من المعارضة الشعبية، لشن الحرب.
- الوقوع أكثر من مرة في أخطاء بروتوكولية، أو تتعلق بمسائل حساسة، داخل أمريكا وخارجها، منها مثلاً التعدّي الصارخ على مكانة بابا الفاتيكان، منها أيضاً التصرفات غير المقبولة أثناء الزيارة الرسمية لملك المملكة المتحدة.
- بسبب هذا الانحدار، تضاف الآن حقيقة أن الولايات المتحدة لم تكسب حرباً واحدة شنتها منذ حملة أفغانستان، والتدخل العسكري المستمر حتى الآن ضد العراق، كذلك يحتج مناصرون لترامب على عملية اختطاف رئيس دولة فنزويلا، فضلاً عن تهديداته المتكررة ضد كندا، والمكسيك، وبنما، وغرينلاند، وكوبا، وغيرها.
هذه القمة لعلها، إن سلمت من المفاجآت المثيرة، تسجل لنفسها صفة الحدث الأهم في مرحلة دقيقة، مرحلة نودِّع فيها نظاماً دولياً بسمات معينة، ونستقبل نظاماً دولياً آخر، أزعم أنه سيكون بسمات شديدة الاختلاف. لذلك نتصور، بل ونأمل، أن تكون العقول السوية المتوفرة لدى الطرفين قد هيمنت خلال جهود الإعداد للقمة، عقول درست خلال فترة معتبرة، المتغيرات الرئيسية التي أثرت وتؤثر في سير العلاقات بين القطبين.
لاحظنا أموراً أخرى، جدير بنا كطرف ثالث الانتباه لها، وهو يستعد لاستقبال نجاح هذه القمة أو فشلها. كثيرة هي التطورات والمتغيرات المحيطة بانعقاد هذه القمة، والمتوقع منها التأثير في نتائجها، أختار فيما يلي بعضاً منها، البعض الذي أثار اهتمامي أكثر من غيره.
* أولاً: جرى استثناء الاستعدادات الجارية منذ شهور عديدة للتحضير لهذه القمة، من دور واضح أو صريح لأسماء أشخاص مرتبطين بالرئيس الأمريكي عائلياً أو لمصالح شخصية، مع العلم أنهم لازموا معظم إن لم يكن كل الاتصالات أو المفاوضات التي جرت بين إدارة ترامب ودول وجماعات في الإقليم.
* ثانياً: لم يمنع وجود هؤلاء الأشخاص جماعات المصالح التقليدية والطارئة من ممارسة ضغوطها على الجهة المنوط بها الاستعداد والتحضير لهذه القمة.
* ثالثاً: في الوقت الذي لم يكن لدى الصين انشغال خارجي جاد وخطير يشتت جهود الإعداد المتوازن للقمة، كانت الولايات المتحدة منشغلة كلياً بحرب ضد إيران دفعتها إليها إسرائيل بالاشتراك مع جماعة ضغط، ما ظل لعقود يعرف بالمجمع الصناعي العسكري.
* رابعاً: كالمعروف عن صنع السياسة في الصين، أتصور أن تستمر الأجهزة الصينية المخصصة للاستعداد للقمة تعمل ضمن قواعد ثابتة وأطر مؤسسية منضبطة وضغوط أغلبها مشتق من التزام بالمصلحة «القومية» العليا، وهو الالتزام الذي لازم أو التصق لزمن ممتد بالمصلحة «الشيوعية» العليا قبل أن ينفصل تحت مسمى «العقيدة الاشتراكية ذات الطابع الصيني»، كتعبير عن سياسات رأسمالية المضمون، مطعمة بضمانات اشتراكية وخاضعة لرقابة حزب لا ينام حراسه.
وكالمعروف عن صنع السياسة في عهد حركة «الماغا»، أو «أمريكا أولاً»، احتفظ الرئيس ترامب لنفسه بحق إدارة دفة الحكم تبعاً لمزاجه وتقلبات أهوائه ونزعاته الأقرب لنزعات المصابين بداء النرجسية المشبع بميول المتقدمين جداً في العمر، وبعض السلوكيات غير الرشيدة.
* خامساً: أتوقع ارتباكاً شديداً في تصرفات الجانب الأمريكي خلال لقاءات القمة، وفي رد فعل الجانب الصيني بتكرار مؤلم ومهين لما حدث خلال زيارة ملك بريطانيا للولايات المتحدة قبل أيام قليلة.
صحيح أن الحرب لم تحقق لناشبيها جل أهدافهم منها، إلا أنه صحيح أيضاً أنها صنعت أسوأ ما في كوابيس أحلام السياسة ما لم يتخيله سياسي أمريكي من قبل.
* سادساً: يبدو لنا من على البعد أن قادة الحكم في بكين استطاعوا إقناع واشنطن بأهمية وقف الحرب ضد إيران، ولو على الأقل خلال فترة الاستعداد للقمة وخلال انعقادها. المثير في هذا الموضوع انضمام قادة روسيا لهذه اللفتة الذكية من جانب قادة الصين، وتلقفها من جانب قادة الولايات المتحدة. بدت لنا هذه التصرفات كما لو كانت القمة الدولية تجرب نفسها من جديد. بدت لنا أيضاً كما لو أن الصين انتهزت الفرصة لتعلن جاهزيتها لممارسة دورها كقطب فاعل وقابل للتصديق، ولتعلن أيضاً رفضها لسياسات تعتمد «قانون الغابة» أسلوباً وسلاحاً في العمل الدولي.
* سابعاً: لا يغفل أحد عن الحضور غير المرئي، ولكن النشط، لروسيا في قمة بكين. روسيا على امتداد أربع سنوات تحارب أوروبا عدوها التقليدي والتاريخي. هدفها منع أوروبا من أن تحقق حلمها أن تصبح القطب الرابع في نظام دولي يجري تشكيله، وهو هدف تشترك فيه مع الولايات المتحدة ولا تقف الصين ضده.
يبقى واضحاً، لنا على الأقل، أن الرئيس ترامب لن يعود وقد حقق لنفسه ولحركة ماغا «جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، حلمهما المشترك، بمعنى أنه لن يعود من قمة بكين، وأمريكا لا تزال مهيمنة على العالم.. ولّت بعيداً، ولا شك، فرصة أن تعود أمريكا أو أي قطب آخر دولة مهيمنة. وأنتظر من قمة بكين أن تكون خير دليل.
لا أذكر يوماً خلال سنوات النضج كنت فيه عاشقاً لنظرية أو أخرى من نظريات التطرف والخرافة والتآمر السياسي ولا باحثاً عنها، وفي الوقت نفسه لا أذكر أنني كنت إذا فوجئت بواحدة منها أهملت متابعتها والتحقق من مصادرها ودوافعها ودراسة آثار ما صنعت وخلَّفت.
عشنا خلال هذا الأسبوع أياماً لم تفارق أذهاننا فيها سيرة الرئيس دونالد ترامب، لا جديد في هذه المقولة فنحن نعيش شهوراً لا تغيب عنا للحظة صورة ولا صوت الرئيس الأمريكي، وإن غاب أيهما لسبب أو آخر لاحقتنا من على البعد أو القرب أخبار تنقلاته، والأهم من تنقلاته، نصوص تصريحاته وإبداعاته الكلامية، وخصوصاً ما يتعلق منها بملاحمه الحربية وعلاقاته الشخصية بزعماء دول عظمى وصغرى، وبمن اختار من الصحفيات والصحفيين المعتمدين لدى البيت الأبيض ليصب عليها أو عليه جام غضبه وأسوأ ما في مستودع الصفات المهينة.
لا جدال أننا كنا خلال الأسابيع الأخيرة نعيش في أجواء سياسية إقليمية شديدة السخونة، والسبب فيها اختيار الرئيس ترامب وتفضيله «الحرب الدائمة» أسلوب عمل وعنوان الولاية الثانية له في حكم الولايات المتحدة، القطب الأعظم في النظام الدولي.
لم ينتبه الرئيس إلى أن التوسع بالاعتداءات المسلحة ضد دول صغيرة مثل فنزويلا وبنما وإيران أو أقاليم تخضع لسيادة دول حليفة مثل غرينلاند أو التوسع بالإيحاءات والدعاوي التاريخية والنواحي الجغرافية مثل الحملة المخططة من جانبه من أجل انضمام كندا إلى الولايات المتحدة كولاية إضافية، أقول لم ينتبه الرئيس إلى حقيقة أن حال الانحدار الذي تمر فيه الولايات المتحدة منذ عقود أفرز تداعيات تصب جميعها في ميل شعبي أمريكي لرفض الحرب، ورفض سياسة دعم إسرائيل بلا حدودٍ أو ترددٍ.
جاءت الليلة التاريخية، ليلة اجتماع الرئيس الأمريكي بممثلي الصحافة الأمريكية في حضور كبار شخصيات الدولة وشركاتها وجامعاتها، جلست أمام الشاشة متأهباً مثل أصدقاء أعرفهم، أرى أمامي القاعة وقد جلس الرئيس وزوجته ونائب الرئيس والوزراء وغيرهم على المائدة الرئيسية المطلة على القاعدة من علٍ.
رأيت وتابعت الهرج والمرج، وكأنه أمر واقع ومتوقع، لفت نظري سرعة دخول الجنود المسلحين إلى القاعة وكلهم بملابس ميدان غريبة على مرتادي مثل هذه المؤتمرات، لفت نظري أيضاً أن بعضهم كان يتحرك كما لو كان في عرض تدريبي مدروس ومألوف وليس كحال وجود عناصر إرهابية تهدد حياة أعضاء الجهاز الحاكم، رأيت رجال الخدمة السرية وهم يتقافزون حول الموائد يدفعون الرئيس للخروج من الباب المؤدي نحو الموقع الذي جاءت منه أصوات ما يشبه أصوات الرصاص، بينما وجدت أبواباً أخرى تؤدي إلى جهات ربما أقل خطورة.
لاحظت الارتباك ولم أجد تفسيراً في تلك اللحظة سوى أننا نعيش جميعاً في حال ارتباك منذ يوم تولي الرئيس الأمريكي مقاليد الحكم، بل وارتباك أيضاً في واشنطن أمام المشهد المتكرر لإقالة وزيرة بعد أخرى أو بعد آخر، راعني في النهاية أن لا هلع في القاعة ولا ولع، ربما هناك ضيق لأن برنامج الحفل لن يكتمل.
أيقظني قرب الفجر الهاتف الراقد بجواري لأستمع إلى صوت زميلة من الصحفيات المتمردات تنقل لي القناعة السائدة بين جماهير الصحفيين وبخاصة ممثلي قطاع الكوميديين الساخرين والقريبين من المسؤولين عن دوريات السياسة الخارجية، قناعة بأن الجانب الحرج من الحفل نظمته جهات أمنية موثوق بها على علاقة وثيقة بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
استمعت إلى الرسالة يقظاً ومنتبهاً خاصة وأن التقديرات الأولية ذهبت في أغلبها لتؤكد أن الرئيس أراد سد ثغرة في شعبيته المتدهورة، أو أنه تلقى تحذيراً مؤكداً وواثقاً بأن الخسارة في انتخابات نوفمبر محققة، أو أنه لن يحصل على المال المطلوب لاستكمال إقامة صالة الرقص العظمى وقوس النصر الأكبر في العالم اللتين بإنشائهما يخلد اسمه بعد أن فشل في إقناع أحد باستحقاقه نوبل للسلام.
إن صح ما يتردد بين بعض الصحفيين والدبلوماسيين بأن الولايات المتحدة تتدحرج نحو ورطة، وإن صدقت تجاربنا مع واشنطن خلال العقود الماضية وتأزمت أحوال أمريكا، سنكون جميعاً في ورطة أشد مما نحن فيه.
يستعد الأمريكيون للاحتفال بمرور قرنين ونصف القرن على إعلان استقلال الولايات المتحدة. يسبق هذا العيد مناسبات أخرى تستحق أيضاً أن يتفرغ الرأي العام الأمريكي للاستعداد لها وهو مرتاح نفسياً واقتصادياً وسياسياً. نحن أيضاً، وأقصد جمهرة صناع الرأي، أمريكيين كنا أم أجانب، نشعر بأن واجبنا يحتم علينا أن نساهم في هذه الاستعدادات. اخترت شخصياً أن أستعد بعمل حصر ابتدائي بمجمل الإنجازات التي حققتها الولايات المتحدة ومجمل الإخفاقات التي وقعت نتيجة أعمال من أطراف أجنبية ومن مسؤولين أمريكيين ومؤسسات داخلية.
لا يغيب عن بال باحث متمرس مكلف بمثل هذا العمل حقيقة أن سكان الولايات المتحدة عاشوا ويعيشون في «محمية طبيعية»، دولة في حجم قارة يحميها من الشرق محيط ومن الغرب محيط آخر، ومن الشمال كندا، الحليف الطبيعي أيضاً والمنطقي، ومن الجنوب قارة أخرى من دول اعتبرت نفسها من توابع الدولة العظمى
يحسب لهذا الكيان المحصن أنه سمح لأكثر من عشرين دولة في أمريكا الجنوبية بأن تستقل وتعيش مستقلة لقرنين مستفيدة من نظام الحماية الإجبارية الذي فرضته الولايات المتحدة عليها.
يحسب للولايات المتحدة أيضاً أنها تدخلت مرتين لتنهي حرباً عالمية ناشبة لسنوات ومتسببة في خسائر بشرية ومادية هائلة، خرجت من الحرب العالمية الأولى وفي نية حكامها الانعزال تحت ضغوط الرأي العام، وخرجت من الحرب العالمية الثانية، وفي الواقع لم تخرج منها، إلا وقد وضعت الأساس لبناء منظومة دولية بقواعد عمل وسلوك لازمة لتحقيق السلم والأمن الدوليين والمحافظة عليهما. تحسب لها هذه الأعمال كإنجازات مهدت لانسحاب الاستعمار التقليدي من مناطق الجنوب ونشأة عشرات من الدول المستقلة والنهاية الفعلية لأدوار التوسع والسيطرة التي مارستها الإمبراطورية البريطانية ثم الفرنسية.
مثلاً يحسب على الولايات المتحدة أنها تدخلت عسكرياً من دون مبرر معقول في دول عربية وإسلامية متسببة في إطلاق مرحلة من عدم الاستقرار مستمرة إلى يومنا هذا، ولا يوجد مؤشر واحد يشير إلى أن أمريكا تفكر في تعويض هــذه الــدول عما فقـــدت أو مساعدتــــها في استعادة ما هدمت بقنابلها ووحشية بعــض جنودهــا. كثير من الأعمال العنيفة التي شهدتها المنطقة العربية خلال الأعوام السبعين الماضية تتحمل أمريكا جانباً كبيراً من المسؤولية لكونها الدولة العظمى التي قدمت لإسرائيل منذ نشأتها السلاح والخبرة والحماية الدولية.
نستطيع مثلاً أن نقرر أن أمريكا، في عهد الرئيس ترامب، دمرت حلف الأطلسي وأساءت أيما إساءة إلى الحلف الغربي عامة. لن نغفل عن حقيقة مهمة وهي أن الغرب عموماً يشهد منذ فترة ليست بالوجيزة انحدار الغرب كجماعة حضارية، ربما لأسباب اقتصادية وربما كحالة نسبية تتعلق ببعث جديد للحضارة الآسيوية.
نستطيع أن نقول أيضاً إن أمريكا في العهد نفسه تشوهت سمعتها وساءت مكانتها بسبب الفساد العـــارم والمكشوف الذي تمارسه النخبة الحاكمة في الإدارة الراهنـــة، كذلك بسبـــب ميلهـــا للتسلط. أهملـــت فقــراء أمريكا على مرأى من جميع فقراء العالم وأمام أستار من صمت أغنياء يزدادون غنى بتوحش وجشع.
عادت أمريكا، في ظل الإدارة الجمهورية الراهنة، تبذر بذور الغضب في مختلف دول أمريكا الجنوبية، وأهانت حكامها وشعوبها عندما شنت حملة طرد المغتربين من المتحدثين بالإسبانية، وتكرار استخدام الرئيس ترامب صفة المجرمين وتجار المخدرات لوصف المهاجرين من دول أمريكا الجنوبية، أضـــف إلـــى ما سبق حملته البحرية لاحتلال فنزويلا دون استشارة منظمة الدول الأمريكية واختطاف رئيسها وإعلان نفسه رئيساً محله قبل أن يعود فيعين نائبة مادورو رئيسة من دون صلاحيات بعد ترتيب الاستيلاء بأساليب استعمارية على كل إنتاج فنزويلا من النفط الخام.
في حربه الكلامية ضد إيران استخدم عبارات شديدة التأثير وعنيفة من نوع «محو إيران» أو «تدمير الحضارة الفارسية» أو «قصف جميع مصادر الطاقة والمياه».
أعترف بأنني أتطلع لقراءة، ولا أقول الاستماع إلى، خطاب الرئيس ترامب يوم الاحتفال بعيد استقلال أمريكا في اليوم الرابع عشر من يوليو، أتطلع لما سيقوله فيدينه.