الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
جميل مطر
دبلوماسي مصري سابق وكاتب
أحدث مقالات جميل مطر
16 أبريل 2026
البعد الأمريكي في الأزمة العالمية الراهنة

واضح لي إلى حد كبير أن الأزمة العالمية الراهنة تواصل تطورها أو تدهورها لتنتهي قريباً جداً في وضع دولي جديد يتحقق فيه نوع من الاستقرار، بعد أن غاب الاستقرار لزهاء ثلاثين عاماً أو أكثر. ما نعرفه، أو نقدره، عن الأزمة الراهنة أنها تبدو وقد أنهكتها الأحداث والحروب. تبدو كما لو أنها صارت أقرب إلى نهايتها منذ أن وصلت مختلف أبعادها إلى درجة من النضج كافية للانتقال بالنظام الدولي من حال الفوضى العارمة إلى حال الاستقرار أو إلى ما هو أشبه به. نعلم أن البعد الأمريكي الذي نفرد له أكثر هذه السطور ليس إلا واحداً من أبعاد ليست قليلة، تسهم منفردة ومجتمعة في تعميق حال الاضطراب السائدة.
أما الأبعاد التي أقصدها وأعتبرها فاعلة في صنع هذا الاضطراب فهي بدون ترتيب خاص أو متعمد من ناحيتي:
* أولاً: أمريكا، القطب المرتبك في ممارسة الهيمنة في أشد مراحلها صعوبة وتعقيداً، وسوف أعود إليه ببعض التفصيل بعد قليل.
* ثانياً: الصين وروسيا القطبان الساعيان إلى تحقيق انتقال هادئ للقمة الدولية من وضع هيمنة القطب الواحد إلى وضع تعدد الأقطاب أو إلى وضع أشبه ما يكون بحال توازن القوى، وما زلت أؤكد، اليوم قبل الغد، حرصهما المشترك على أن يتم الانتقال من دون حرب عالمية فيكون سابقة فريدة في نظريات التحول في نمط القيادة الدولية على امتداد قرنين على الأقل.
* ثالثاً: الشرق الأوسط، الإقليم الذي يحل بجدارة وبالتدريج محل الإقليم الأوروبي وشهرته في التاريخ، كما نعلم، أنه الإقليم صاحب الحروب الدائمة والمصدر الأساسي لمختلف نظريات علم السياسة والقانون الدولي والصراع. سوف يذكر التاريخ أن الشرق الأوسط اشتهر في أواخر مراحله (هي التي نعيشها الآن) بأنه صار أشبه بمقبرة خصصت لدفن القانون الدولي وقوانين أخرى كثيرة صنعتها حضارة الغرب خلال صعودها وقبل بدء أفولها.
* رابعــاً: بـزوغ كتلة، أو مجموعة، الجنوب من دول صاعدة اقتصاديـاً وسياسيــــاً تسعى إلى تنسيق الضغوط لصالح السلم العالمي ولفائدة برامج تنميتها وتأمين صعودها.
* خامســاً: اجتمــاع عديد المشكــلات الاقتصاديـة والاجتماعية وبشكل حاد على كافة المستويات، مستوى دول القمة كما على مستويات دول الجنوب.
* سادساً: أوروبا مهد حضارة الغرب وحامل مشاعل نهوضها صارت حملاً لا تحتمل حمله الولايات المتحدة. 
يهمني في اللحظة الراهنة وبشكل خاص مناقشة الدور الذي يؤديه البعد الأول، وأقصد أمريكا في وجود الرئيس دونالد ترامب لاعباً أساسياً. إلا أنه يجب التأكيد سلفاً على حقيقة أن حال انحدار أمريكا من موقع القوة المهيمنة والأقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً إلى موقع أدنى لم تتحدد معالمه بعد بالدقة اللازمة، هذه الحال بدأت تفرض نفسها منفصلة عن مرحلة وصول ترامب إلى سدة الحكم وتسبقها، لكنها بالتأكيد عززت انحدار الغرب كجماعة حضارية. 
أضف إلى كل ما سبق استخدامه أسوأ ما في اللغة من ألفاظ تمس بالإهانة أو بنية الغدر رموزاً دولية مثل حلفائه الأوروبيين ثم قداسة بابا الفاتيكان ثم شعائر أديان أخرى. 
خرجت الصين، أو قد تخرج خلال أيام، ومعها روسيا بمشروع لإنقاذ العالم من ويلات حرب عظمى. أعتقد أن الصين بالذات تخرج إلى العالم مزودة بحكمة أنضجتها تجاربها الخاصة مع الاستعمار الغربي، وهي تجارب أشهد شخصياً بأنها كانت أليمة، وتجاربها الأحدث كدولة عظمى على طريق «القطبية». هذه التجارب مع تجارب روسيا كقطب سابق ودولة عظمى كفيلة بأن ترشد زعماء هذه الدول إلى خطة لبناء نظام دولي جديد ينشد التعاون بين الأقطاب وبينهم وبين دول الجنوب.
سوف يتعين على كل من روسيا والصين المساعدة على إخراج النخبة الحاكمة في أمريكا من عقدة الضعف ومن حال الابتزاز التي تعيش بدورها فيها. للأسف لا تبدو الخريطة الراهنة للنخبة الأمريكية والقوى الضاغطة عليها مشجعة ليخرج عنها منظومة قواعد عمل تليق بنظام دولي جديد.
حقاً، أخشى أننا قد لا نشهد نهاية سريعة للمرحلة الصعبة التي نعيشها وإن كنا نحلم باقتراب نهايتها.

9 أبريل 2026
وتحققت بعض أحلامي الأوروبية

مثل كثيرين غيري من أقران مرحلة المراهقة عشت خلالها أمارس أحلام اليقظة، مارستها إلى حد الإدمان لأمتنع عنها في مرحلة الدراسة الجامعية. دارت معظم أحلام تلك المرحلة حول السفر في رحلات بعيدة، وبخاصة أوروبا وآسيا، بعد أن كنت قد استهلكت فرص السفر في رحلات داخل مصر ورحلات خارجية اقتصرت على ثلاث دول جارة أولها فلسطين، وجدير بالإضافة هنا أننا كمجموعة في فريق للجوالة في غزة حاولنا التلصص على سكان إحدى المستوطنات فوقعنا في الأسر الإسرائيلي في سجون فلسطين المحتلة. ثاني الدول التي زرتها في هذه المرحلة السودان وثالثها المملكة الليبية.
في كل تلك الرحلات، ما تحقق منها في سن المراهقة وما بقي يتردد في أحلام يقظة متناثرة، كانت الجبال محل الاهتمام. أشبعت بعض الشغف بالتوقف لساعات أتأمل في جمال وخضرة الجبل الأخضر، الاسم الذي عرفت به سلسلة جبال ولاية برقة في شرق ليبيا. أشبعت بعضاً آخر بيوم قضيناه في منطقة جبال النوبة في ولاية كردفان بجنوب السودان. أشبعت بعضاً في الهند مثلاً وفي إفريقيا، ولكن التطلع لرحلة في أوروبا من أجل جبال الألب.
كانت إيطاليا أول من قدمني لجبال أوروبية. عشت مراهقتي أحلم بالألب، لم أكن أعرف أو أتصور أن في أوروبا جبالاً أخرى بروعة وجمال وشموخ الألب.
لماذا أوروبا؟ ولماذا ألمانيا بشكل خاص. المصريون شعب بمزاج أوروبي. المصريون الذين أعنيهم هم الطبقة المتعلمة في ذلك الحين، هم الذين تصدوا للاستعمار الإنجليزي وبعضهم تعلم على أيدي معلمين إنجليز، أنا نفسي كنت في الرابعة ثانوي عندما كان يعلمني التاريخ أستاذ إنجليزي. أمريكا لم تكن يوماً في ذلك الحين جزءاً من أحلام المصريين. أظن أننا لم نكن نعرف عنها إلا القليل. أمريكا كانت سينما وموسيقى وغناء ورعاة بقر والدولة العظمى التي تريد وتضغط علينا لنسمح لها بإقامة قاعدة عسكرية والانضمام لحلف مركزي للشرق الأوسط.
لم يكن الاحتلال البريطاني لمصر مجرد صفحات في الكتب المدرسية عن مرحلة ولت. كان كياناً حياً ملموساً نعبر أمام ثكناته العسكرية في طريقنا إلى النزهات الأسبوعية إلى حدائق الجزيرة على الطرف الآخر من النيل.
أعود إلى حلم ركوب الألب في أوروبا التي كنا نحبها وأظن أننا، وأقصد أبناء جيلي، كنا نشفق على شعوبها التي عانت قروناً من حروب، لا تتوقف واحدة إلا وقد بدأت أخرى. اكتملت الظروف وكذلك الاستعدادات. سبقتني زوجتي مع الطفلين سامر ونسرين إلى فيينا لزيارة الأهل، وأعرب زميلي بالسفارة سامي ثابت، وقد عملنا معاً في سفارتنا بالهند، عن ترحيبه بمرافقتي في رحلة أزمع القيام بها وبالسيارة إلى فيينا والعودة مروراً بدول ومدن كثيراً ما كانت تهف على أحلامي أو عبوراً منها إلى دول أخرى مثل المجر وبخاصة بودابست عاصمتها الجميلة والدانوب الذي يتوسطها بدلال وأناقة.
إن نسيت فلن أنسى، أنه خلال إحدى إقاماتي المتكررة في فيينا، دعيت لزيارة محل هو ما بين المقهى والمطعم البسيط يطل على مدينة فيينا من فوق قمة تل أخضر، قمة تزينها دفقات من سحابات منخفضة، هناك تناولت مع القهوة المحلاة بالحليب قطعة من فطيرة تفاح لعلها كانت الأطيب بين كل القطع التي تناولتها في رحلات امتدت لتشمل عديد المقاهي المتناثرة في مرتفعات مررنا بها أو صعدنا إليها في سويسرا وفي ألمانيا وفي التيرول بإقليميه النمساوي والإيطالي.
فيينا لها في قلبي مكانة خاصة وفي عقلي أيضاً. أتصور أن أي سطور أكتبها عن أوروبا وجبالها وتاريخها وحكاياتي الشخصية فيها أو عنها، لن أفي فيينا حقها كاملاً إن لم أبدأ هذه السطور وأختمها بشطر من بيت في أغنية شدت بها أسمهان قبل أن أولد بعشر سنوات أو أكثر، لعلها الأغنية التي مع عوامل أخرى ساهمت في صنع اهتمامي منذ الصغر بفيينا الأصل قبل أن تصير رمزاً بثقافتها وفنونها وقصورها ومقاهيها. تقول أسمهان في هذا الشطر من أغنيتها «دي فيينا روضة من الجنة».

2 أبريل 2026
من دفتر رحلاتي الجبلية.. رحلتان في إيطاليا

أما وقد بلغت أعلى مراتب العمر وأروعها أظن أنني صرت أقدر من أي وقت مضى على أن أصدر أحكاماً لا غبار عليها ولا ممالأة فيها ولا خوف منها. أعني الأحكام التي تخص أي شيء باستثناء السياسة. ففي السياسة انحياز لا مفر منه. أما عن أعلى مراتب العمر وإسباغ صفة الروعة عليها فالقصد من ورائهما التعبير عن قيمة توصلت إليها، أو توصلت لي، بعد عقود شهدت معي مختلف التجارب الإنسانية. شهدنا معاً حروباً وسلاماً، برودة ودفئاً، صداقات وعداوات. عشنا معاً نمارس أو يمارس ضدنا الصدق حينا والكذب حيناً آخر، ذقنا معاً حلاوة الجمال ومرارة القبح، تفانينا في عمل الخير وقصرنا في محاربة الشر. حتى وصلنا أخيراً إلى مرحلة لا خيارات حول الموقف من تفاصيلها.
استلمت سيارتي من وكيل الشركة في روما، وفي نفس اليوم سألت نبيل العربي زميلي في أكبر دفعة من الملحقين الدبلوماسيين يجري تعيينها في الخارجية منذ تولي الضباط الأحرار مسؤولية الحكم في مصر، سألته عن أقرب موقع سياحي يلجأ ناحيته المقيمون في روما مع عائلاتهم في أيام العطلات. غاب عنا قليلاً وعاد ومعه خريطة قال عنها لا أحد من الأجانب المقيمين في إيطاليا أو السائحين إليها يتحرك بدونها.
فتح نبيل الخريطة ليحدد لي موقع مدينة تيفولي و«فيلا ديستي» بالذات. اشتهرت حدائق التيفولي بتخطيطها الجذاب ونافوراتها العديدة وبالقصر الرائع. حدد لي أيضاً موقع «كاستيل جاندوفلو» الضاحية التي يقيم فيها بابا الفاتيكان في شهور الصيف، وهي مرتفعة قليلاً عن سطح البحر وتتوسطها بحيرة واسعة. تركني اختار بين الاثنين.
اخترت مصيف البابا. تحركنا في الثامنة صباحاً يدفعني الفضول والرغبة في إدخال السعادة إلى عائلتي وصديقات لنا من لبنان، ولكن راح يهدئ من حماستي ما وشت به الخريطة عن قدر الارتفاع الضئيل لهذه الضاحية. كنت لا أزال أعيش عقدة المقطم، الجبل المتاخم للحي الذي ولدت فيه وشهد مرحلة تنشئتي الأولى.
كانت، على كل حال، رحلة طيبة من نواحٍ أخرى. الضاحية كانت تبعد ما لا يزيد على خمسة وعشرين كيلومتراً عن روما. يتوسطها ولكن على ارتفاع مناسب قصر أو قلعة البابا. كل ما في القرية يعكس ذوقاً رفيعاً وطبيعة خلابة حتى إنها مصنفة في إحدى كتيبات السياحة باعتبارها واحدة من أجمل قرى إيطاليا.
مرة أخرى أجرب السفر قائداً لسيارتي في رحلة إلى نابولي، عاصمة الجنوب. كانت الرحلة سهلة والطريق الساحلي مريحاً ومنبسطاً. توجهنا فور وصولنا إلى مقر سكن نائب القنصل وهو أيضاً من زملاء دفعتي. شربنا القهوة بسرعة متشوقين لركوب العبارة التي سوف تحملنا إلى جزيرة كابري، تلك الأسطورة السياحية. جمالها في جبالها ووديانها ومقاهيها المتناثرة وقصورها المترامية على قمم الجبال، قصر منها كان المفضل لدى الملك فاروق.
بعد قضاء يومين بين كابرى ونابولي قررت العودة على طريق غير طريق الشاطئ المنبسط، حيث بعض أجزائه دافعة للملل ككل طرق السفر المنبسطة، وإن كان أغلبه يمر إلى جانب جبال مبهرة تتخللها مصايف توقفنا في بعضها.
انتهت الرحلة بسلام بعد أن خلّفت في ملف ذكرياتي قصة أول تجربة قيادة على طرق جبلية وعرة وفي ظروف خطرة. هذه التجربة بكل المعاناة التي عشناها كانت وراء تحقيق حلم قديم، حلم قيادة سيارة في مواقع متعددة من سلاسل جبال شامخة، وبخاصة سلسلة الألب الأشهر في خيالي وزيارة قرى ومدن سمعت أو قرأت عنها.
هذه المواقع ليست سوى نماذج للكثير من إبداعات الطبيعة والبشر، أكثرها لا يرى إلا برحلات ينظمها ويقودها بنفسه إنسان مثلي يحلم بزيارة أثر أو شخص في موقع بجبل ضمن سلسلة جبال فيقرر في لحظة ويبدأ على الفور يحقق الحلم منفرداً أو مع رفيق سفر. هذا بالضبط ما عشت أفعل خلال عطلاتي. بدأت بركوب جبال إيطاليا ظناً مني أنها ستكون أقل وعورة، أملاً في أن تكون تمهيداً طيباً وآمناً لاقتحام عالم القيادة الجبلية الصعبة في الألب وغيرها من السلاسل الشهيرة في العالم.. تحقق الحلم.

26 مارس 2026
عشت شهوراً في سفوح الأنديز

جميل مطر

استمرت تطاردني عقدة «جبل» المقطم في مصر، هذا العملاق بالنسبة لسكان سفوحه وما تحتها في الجمالية والدراسة أو بعيداً عنها في المنيرة وحيّ الحكومة، وكنت أحد هؤلاء السكان. تقدم بي العمر فانتقلت من المراهقة إلى الشباب اليافع وسافرت إلى أصقاع بعيدة ولم يعد المقطم عملاقاً. صرت مع مرور الوقت وتعدد مواقع سكني وعملي أشير إليه بالتل المتواضع مثله مثل تلال كثيرة متناثرة حول مدن سكنتها غير القاهرة.
أذكر أنه بعد أن أتممت مهمتي في شيلي والأرجنتين، وقبل أن أعود إليهما في مهمة من نوع آخر، حدث أن أنتجت هوليوود فيلماً سينمائياً يصوّر سقوط طائرة فوق قمة مجموعة القمم المشكلة لما يعرف بقمة آكونكاجوا (أو بالأحرى الارتطام بها). وقتها ذهبت أكثر التقارير إلى أنها ارتطمت ولم تسقط بحكم أنها كانت تطير على أعلى ارتفاع مقرر لها.
تعمدت في هذه الرحلة الأخيرة إلى هذه القارة الممتعة بفنونها وبأهلها وحكاياتها، أن أتناسى هذه المأساة.
على كل حال، أذكر أننا كنا قبل اقترابنا من هذا المشهد الرائع، والمهيب في الوقت ذاته، كنا كعادتنا في رحلاتنا الطويلة، وتلك كانت أطولها على الإطلاق، ننشغل بمناقشة ما كنا نشترك في التعلق به وهو تخصصنا الأكاديمي المشترك. وقتها كان هنري كيسنجر ملء السمع والبصر، والعقل أيضاً، وكان العالم ينتقل معه بهدوء من نظام القطبين إلى نظام هيمنة القطب الواحد، وإن كنا لم نتوصل وقتها إلى اقترابنا من هذه النتيجة. خرج كيسنجر بأمريكا من حرب طال أمدها باتفاقية مع الفيتناميين وحقق نصراً على الاتحاد السوفييتي بزيارة قام بها مع ريتشارد نيكسون إلى بكين، زيارة هزت أرجاء الكون، وقبلهما كان خارجاً لتوّه من عملية دبلوماسية - عسكرية أوقف بها حرباً بين إسرائيل ومصر وعملية استخباراتية أسقط بها حكومة سلفادور آليندي في شيلي وأقام نظاماً دكتاتورياً يقوده الجنرال بينوشيه.
كنا في واقع الحال هناك، وأقصد أننا كنا في أمريكا اللاتينية، نراقب ونسأل ونناقش الآثار المحتملة لما حققته أمريكا من تغيرات جسيمة على العلاقات الدولية، ولكن بوجه خاص على سلوكيات شريحة مهمة تمثل دول العالم النامي.
ما أشبه الحادث اليوم بما حدث قبل نحو نصف قرن. حدث ويحدث ترقب مصاب بالخوف في معظم عواصم العالم النامي، وبخاصة عواصم الشرق الأوسط، الخوف مما يمكن أن يحدث لها لو أنها لم تصطف فوراً في طابور انتظار ما يتقرر لها. كل الظروف حرجة والعالم، والعرب جزء فيه، متوجه بكل طاقته نحو نظام جديد مجهول الشكل والهوية.
وصلنا وأصرّت زميلتي ورفيقة رحلتي الثالثة، أو لعلها الرابعة، إلى سنتياغو أن نقوم برحلة سياحية إلى أماكن زرتها وتعلقت بها خلال إقامتي القصيرة في شيلي قبل هذه الرحلة بنحو ربع قرن. لم أتردد في الاستجابة وما كان لها أن تصر، إذ كانت بثقافتها الواسعة وذكائها المتوقد وتجاربها في الحياة خير رفيق لرحلة نجوب فيها معاً مواقع أخاذة ونستمع إلى نُتَف تاريخية
أذكر أن برنامج الرحلة، كما صغته أنا وأضافت زميلتي إليه، تضمن زيارة الشقة التي كان يسكنها بابلو نيرودا وكلانا كان من المغرمين بشعره وتفاصيل حياته، لم ينقصنا سوى أن نجلس على مكتب له أو أريكة تطل على المحيط من وراء شرفة في منظر حقاً أخاذ، أو هكذا رأيته على كل حال.
عدت إلى سنتياغو في آخر رحلاتي لأكتشف أن تغيرات كثيرة وقعت في غيابي. وجدت شبان الجالية الفلسطينية مختلفين عن الجيل الأسبق في نواحٍ متعددة. غابت اللغة العربية مع غياب أجيال أسست الجالية وأجيال رعتها. لم يغب التعلق بالوطن السليب، ولم تغب كلمة «البلاد» وإن كان منطوقة بعربية «متعبة» أو صادقة وخفيفة الظل.
المدينة، وأقصد العاصمة، أصابها، خلال غيابي، التحديث الذي أصاب مدناً أخرى في أمريكا الجنوبية.
غاب الكثير، ولم تغب قمم الأنديز المطلة في وقارها وهيبتها، وحنانها، على سنتياغو، المدينة الوديعة.

12 مارس 2026
حكايات على هامش رحلاتي

جميل مطر

نشأت في أحضان أب يشجعني على الخروج في رحلات مع أقران من أبناء الحي أو مع رفاق في فرق الكشافة والجوالة. كنا في أوائل سنوات المراهقة عندما خططنا وحصلنا على موافقات أولياء أمورنا ونفذنا سلسلة من رحلات النهار الواحد. نجتمع في الفجر وننطلق قبل بزوغ الشمس ونعود مع غروبها.
لم تتوفر لنا خرائط أو ما شابه. ضعنا مرات وجرى اعتقالنا قرب أحد المعسكرات واتصلوا بأهالينا ليتسلمونا من المعادي مرة ومن المعصرة مرة أخرى وكنا لجأنا لمعسكر قريب منها. لم أكن تجاوزت الخامسة عشرة عندما رحلتني الشرطة أنا ورفاقي في أكثر من رحلة إلى قسم السيدة زينب لنجد الأهل في انتظارنا.
*كنت أتمنى لو بقيت في الهند مدة أطول حتى تتاح لي فرصة صعود أعلى في الهيمالايا. يهمني قبل أن أستطرد في الحديث عن تجربة من تجاربي العديدة في الهند أن أصرح بأن حبي للهند لا يتأثر بوجود السيد مودي على قمة السلطة السياسية في نيودلهي.
كنت، قبل انقطاع السرد، أحاول الكشف عن أمنيتي أن تطول مدة عملي بالهند حتى تتاح لي فرصة صعود أعلى جبل في الهيمالايا. أعلى ما أمكنني الوصول إليه كان في سفوحها وكانت هي نفسها مرتفعة عن معظم مستويات ارتفاع سهول بقية الهند.
*كنت هناك في العاصمة دار السلام في مهمة رسمية وقوبلت بحفاوة استغربتها لشاب في مثل عمري ومكانتي الدبلوماسية المتواضعة، وقبل نهاية مهمتي استطعت تدبير الانضمام إلى مجموعة من السياح هدفها مثل هدفي ألا وهو الاقتراب قدر الإمكان من الجبل البركاني الذي تتوّجه هذه القمة البيضاء الرائعة الجمال، كما ظهرت لنا في الفيلم الذائع الصيت بعنوان «جليد كليمانجارو» ومثل فيه غريغوري بيك معشوق أبناء وبنات جيلي ومعه سوزان هيوارد عن قصة للكاتب الأمريكي إرنست هيمنجواي.
* لم يكن المقطم هو القمة الوحيدة المتواضعة بين كل ما رأيت من قمم متواضعة، إذ تطل على دمشق قمة جبل قاسيون، ولعله الجبل الذي تناقلت الأساطير أسراره أكثر من أي جبل متواضع آخر. هناك في جبل قاسيون تقع المغارة التي يقال إن هابيل قتل فيها شقيقه قابيل ودماءه تلطخ بعض جدرانها.
يعنيني الآن أكثر من سيرة جبل قاسيون حال دمشق. زرتها مرات عديدة لا تحصى، وعرفت من أهلها أكثر مما عرفت في أي عاصمة عربية أخرى، وسمعت منها وعنها حكايات بعضها يعود إلى أيام بيزنطة وفتح إسبانيا وأكثرها عما فعلته «الشام» بنا وبنفسها. أما عن نفسي فأعترف بكل الصراحة الممكنة بأنني ما أزال، رغم كل التطمينات الواردة من هناك، غير مطمئن لحالها. أرادوا بها شراً فوقع وبقي ولم يغادر إلا أقله.
أقول قولي هذا وكل سمعي وبصري هناك عند نقطة المصنع على الحدود مع لبنان. مرة أخرى ضمن مرات عديدة رأينا أفواج النازحين تتحرك من ناحية في اتجاه الأخرى. تهدأ يوماً أو يومين ليتاح لأفواج أخرى أن تتحرك كهدير بحر هائج في الاتجاه المعاكس. فعلوا بلبنان ما سبق أن فعلوه، ويفعلون -وإن بشكل مختلف- بسوريا واليمن وليبيا والسودان والعراق وإيران، وبه يهددون مصر وتركيا في سنواتهما الآتية.
أشعر بضمير قد يتأذى لو أنني توقفت عن الاستمرار في سرد حكايات عن مرتفعات في آسيا تعرفت عليها دون أن أحكي عن تلال شمال غرب بكين التي شيد فوقها جانب مهم من سور الصين العظيم، وقد زرته أكثر من مرة في رحلات لنهار يوم الأحد في صحبة الزميل الغالي نزار قباني والسفير حسن رجب. السور في حد ذاته معجزة بكل المعايير وبخاصة هذا الكنز الرائع من الأساطير التي سجلها الصينيون على امتداد العشرين ألف كيلومتر طول السد من شاطئ المحيط في أقصى الشرق إلى صحراء جوبي العظمى في أقصى غرب الصين.

5 مارس 2026
حرب لن تطول وإن طالت فلن تفيد من أشعلها

جميل مطر

مرة أخرى أقف حائراً وأنا أحاول التعرف على، أو فهم، ما وراء الكثير من القرارات السياسية الأمريكية، وبخاصة إذا تعلق القرار بالشأن الخارجي. أذكر على سبيل المثال قرار شن الحرب على العراق الصادر في مطلع القرن. أذكر وعلى سبيل المثال أيضاً القرار الصادر بشن الحرب على الجماهيرية الليبية، ولكني أذكر بصفة خاصة ولأسباب مفهومة القرار الصادر قبل أيام قليلة بشن حرب ضد إيران. تجدر الملاحظة أنه في كل هذه الأمثلة كما في عشرات غيرها لم تكن الولايات المتحدة مهددة بأي ضرر جسيم يستحق شن الحرب.
دفعتني الحيرة هذه المرة إلى تفضيل عدم الكتابة في موضوع الساعة وأن أختار بدلاً منه موضوعاً يصلح لمقال انطباعات يبتعد بنا قدر الإمكان عن موضوع الحرب على إيران بسبب كل ما يكتنفه من حساسيات ومعلومات متناقضة، ولكن، وهو الأهم، بسبب السرعة التي تتحرك بها الأحداث من ناحية، ومن ناحية أخرى إحساسي بأن وراء الحرب حكايات وخططاً ومؤامرات لا بدّ أن تُحكى بعد مضي وقت، خاصة أن حدسي قد صدق في أمثلة سابقة، ومن ناحية ثالثة تقديري أن قرار الرئيس الأمريكي بشن هذه الحرب الأخيرة مهدد بأن يلغى في أي لحظة، أخذاً في الاعتبار الدور الكبير الذي يلعبه مزاج الرئيس لحظة اتخاذ القرار.
أعرض فيما يلي خلاصات لبعض ما اختصرت واخترت من كل ما سمعت وقرأت ورأيت وحللت، أو حلل غيري من رفاق المرحلة، مرحلة ارتباك وحيرة وأسى ومفاجآت مفروضة، مرحلة هيمن فيها الذكاء الاصطناعي بكل إنجازاته والخداع بكل أساليبه، والكذب بكل أنواعه، والفساد المنقطع النظير والخيانات بلا حدود والقتل أو الاغتيال بلا وازع ولا ضمير.
شنت الولايات المتحدة حرباً ضد دولتين على الأقل وربما ثلاثة إذا أضفنا نيجيريا إلى فنزويلا وغزة، شنها جميعاً رئيس لم يخف سعيه وأمله أن يحظى بجائزة نوبل للسلام، ومن بعد خيبة أمله وفشل مسعاه في الحصول على الجائزة راح يشكل «مجلس سلام» ليحل محل الأمم المتحدة ومؤسساتها وليغطي على فشله في تحقيق سلام في غزة.
نلاحظ زيادة هائلة في نسبة الآراء الغاضبة في الولايات المتحدة من إسرائيل. لاحظنا أيضاً زيادة مماثلة في عدد المحللين الأمريكيين الذين ارتدّوا عن تعاطفهم مع إسرائيل والصهيونية وبخاصة في دوائر الإعلام والأكاديميا. بعض هؤلاء المرتدّين إلى جانب آخرين طرحوا بشدة وإصرار فكرة أن إسرائيل كانت، ولا تزال، وراء الحملة العسكرية الأمريكية على إيران. كثيرون من بين هؤلاء اتهموا إسرائيل بأنها تستخدم ضد ترامب سلاح الابتزاز بالمال أو الجنس أو الفساد، بينما آخرون اختصروا الاتهام بالادعاء بأن ترامب كان قد تحول إلى الديانة اليهودية مثله مثل ابنته إيفانكا.
كثيرون في أمريكا وخارجها مقتنعون تماماً بأن الرئيس ترامب يشن الحرب لتشتيت انتباه الرأي العام بفضيحة جيفري إبستين.
إننا حاولنا استقراء احتمالات تمدد تطورات بعينها في المستقبل لهذه الحرب الخبيثة التي تمكنت خلال يومين أو ثلاثة من تهديد استقرار العدو كما الحليف.
أسفرت محاولاتنا عما يلي:
أ- استغراق المجتمع الأمريكي في الاستمتاع بخبايا فساد المستنقع الذي نجم عن فضيحة إبستين، بما يعنيه هذا الاحتمال من لجوء الرئيس وجماعته إلى مزيد من المغامرات العسكرية.
ب- استمرار تدهور الوضع السياسي في الولايات المتحدة، الأمر الذي يعني مزيداً من البهرجة والقرارات ذات الطبيعة التهريجية، مثل تعيين زوجة الرئيس مندوبة مؤقتة لترأس وفد أمريكا في مجلس الأمن، بعد سقوط مهزلة شارك فيها البليونير صاحب «أمازون» و«الواشنطون بوست»، وهي مهزلة الفيلم الوثائقي عن حياة السيدة الأولى، في وقت تحكي وثائق إبستين عن تاريخ لها مختلف تماماً.
ج- يفلح مارك روبيو وزير الخارجية في حكومة ترامب في تحقيق حلم حياته «بتحرير» كوبا من الحكم الشيوعي وذلك بحرب ضدها تشنها الولايات المتحدة.
الحرب لا تزال مشتعلة والمضيق مغلق وأسعار النفط والغاز أيضاً مشتعلة ومصر محرومة من الغاز الإسرائيلي وأمريكا تستمر في خسارة مكانتها وإسرائيل لن تسمح لترامب بالانسحاب منها قبل أوان تحدده هي.