الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

مرحلة مهمة.. وإن كانت صعبة وربما حرجة

9 يوليو 2026 01:05 صباحًا | آخر تحديث: 9 يوليو 01:06 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
العالم، ونحن جزء منه، يمر بمرحلة انتقالية، وقد علمتنا التجارب أن المراحل الانتقالية، وبخاصة تلك التي تنتقل فيها الأمم فجأة من حال إلى حال شديد الاختلاف، أو تلك التي تنتقل بإرادتها أو تحت الضغط والتهديد من الإيمان بعقائد إلى الإيمان بعقائد أخرى، أو تلك التي تتحول فيها بعض النخب الحاكمة من الالتزام بقواعد وأساليب ثقافة أو حضارة بعينها إلى تبني قواعد وأساليب ثقافة أو حضارة أخرى، هذه التجارب علّمتنا أنها عادة ما تكون مهمة وإن صعبة وفي الغالب حرجة وعصية على التنبؤ بمستقبلها ومستقبلنا.
العالم الواسع، هذا الذي نعيش فيه، يمر منذ ما لا يقل عن ثلاثين عاماً في مرحلة انتقال من نظام دولي أحادي القطبية إلى نظام لم تتحدد بعد هويته بشكل قاطع. نقلت هذه المرحلة عن مرحلة أو مراحل انتقالية سابقة درجة عليا من ممارسة العنف. كنا، كعرب مثلاً، ضحية خطة مدروسة لممارسة حملات عسكرية نفذتها جيوش القطب الدولي الساعي للانتقال وجيوش حليفة ضد ما تصورته بعض التيارات السياسية وفي مقدمها تيار «المحافظون الجدد» خطراً جاثماً يهدد حضارة الغرب وفي وسطه إسرائيل، أما الخطر الذي تصوروه فكان يقوم حول عصب استجد فور بدء المرحلة الانتقالية وهو «الإسلام الجهادي الزاحف» في نظرهم.
شهدت المرحلة أيضاً ثمار أو عواقب انفراط الاتحاد السوفييتي، القطب الثاني في النظام الدولي، ومنها أو في صدارتها نشوب «الثورات الملونة» في عديد دول شرق أوروبا. من بين هذه الثورات ثورة أو أكثر في أوكرانيا، تطورت لتصبح أقرب ما تكون إلى حرب يقودها حلف يضم أكثر من ثلاثين دولة، هدفها استنزاف روسيا باعتبارها خليفة الاتحاد السوفييتي ووأد كل الفرص الممكنة قبل أن تصبح هذه الفرص أرصدة قوة تعتمد عليها روسيا لتجدد بها مشاركتها في قمة النظام الدولي القادم.
الحرب ضد روسيا مكلفة للغاية، مكلفة لأوكرانيا، القصة التي لم ترو بصدق حتى الآن، ومكلفة لدول حلف الأطلسي ولروسيا بطبيعة الحال.
حدث في نهاية الألفية أن اهتزت بشدة، ولكن بدون عنف، أركان النظام الدولي كما أسلفنا في السطور الأولى، ولم يفلت منها النظام الإقليمي، إذ تحول هو نفسه ليصير أداة من أدوات عديدة جرى استخدامها ليحقق طرف أو آخر وبخاصة الطرف الأمريكي أهدافاً له مستفيداً من الفوضى المتعمدة التي التصقت بممارسات المرحلة الانتقالية. حدث، وبفعل فاعلين كثر ما يلي وأكثر منه:
*أولاً: انفراط وحدات، أي دول، عديدة إلى تفرعات متنوعة بتنوع الأصول. غابت أو كادت تغيب الدولة الحاكمة. غاب دورها في المحافظة على وحدة الكيان ووحدة السلاح.
*ثانياً: توقف العمل في مشاريع ومؤسسات التكامل، وكلها بدأ تشغيلها وبعضها عمل بنجاح ملموس إلى أن أغرقها أو أبطلها طوفان الانفراط.
*ثالثاً: تراجع الاهتمام بالعمل السياسي على المستوى القومي كتنسيق المواقف وتطوير العمل الجماعي وتوقف المبادرات ذات الصفة القومية أو في صيغة التعاون الإقليمي.
*رابعاً: الميل إلى المبالغة في تضخيم قيمة الأنشطة السياسية الخارجية على حساب العمل العربي المشترك.
*خامساً: كان منطقياً ومتوقعاً أن انفراط الدولة العربية من داخلها وتعدد عمليات الانفراط سوف يشجع الدول الأجنبية غير العربية المتاخمة للإقليم العربي على تحقيق أقصى استفادة من وراء الإضرار المتعمد بكل دولة عربية على حدة. وبكل المعايير لا يمكن التقليل من خطورة ما حدث نتيجة هذه الاستباحة وبعضها متفاقم حتى لحظة كتابة هذه السطور.
لن يتسع المجال هنا لسرد عدد وحجم الإساءات الدامية والخسائر الفادحة التي تحملها النظام العربي ولا يزال يعاني تبعاتها ومستجداتها. أخطر وأدهى ما يمكن أن يقال في هذه الآونة الدقيقة تلخصه الكلمات القليلة التالية، نظامنا قد يكون آيلاً إلى السقوط، وقد يكون مهدداً بالإحلال بمشروع يحمل عنوان النظام الإقليمي الشرق أوسطي ترعاه وتقوده إسرائيل بضغوط أمريكية.
المؤكد في كل الأحوال أننا، كنظام إقليمي عربي وكتجربة فريدة كان يجب أن تنجح، سقطنا في أول تجربة لنا مع مرحلة انتقالية مر بها النظام العربي من حال إلى آخر.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة